سبعة أيام من الجحيم (4/7) «القيامة في شارعنا»… شهادات المدنيين عن الاقتحامات والإهانات والخوف
آخرون يقرأون الآن
FB_IMG_1792089878983

لم يعد سكان الشيخ مقصود والأشرفية يميزون بين الأيام والساعات.
كان الوقت ثقيلاً، وكأن الزمن قد توقف.
في الليل، كانت الطائرات المسيّرة تحلّق بكثافة فوق الحي، فيما كانت أصوات القصف المدفعي تُسمع من جهة الراموسة والهلك، من محيط مشفى الحميات ودار العجزة في بستان الباشا.
ومع اشتداد القصف، بدأ حاجز الخوف يتكسر، لكن الخوف نفسه لم يختفِ.

«فضّلت الموت على التهجير»

يروي رجل سبعيني وزوجته الستينية أنهما فضّلا البقاء في منزلهما على التهجير.

يقول الرجل:
«لم أعد أخشى الموت، وإنما أخشى أن يقوموا بضربي أو جرحي، وألا أتمكن من إسعاف نفسي، وخاصة أن زوجتي مريضة وأنا من يساعدها.»
كان المنزل يقع أمام بناء تحوّل مدخله الطويل إلى نقطة تمركز للمسلحين.
يقول إنه سمع طرقاً على الباب، ففتحه، فإذا بشخصين يحملان بندقيتي كلاشينكوف.
قالا له:
«ادخل وسر أمامنا.»
ثم طمأنوه بأنهم لن يؤذوه.
لكن عندما أدار ظهره، وُضعت البندقية على رأسه، وطُلب منه التقدم أمامهم لتفتيش المنزل.
سألوه:
«في حدا عندك؟»
فأجاب:
«لا، بس أنا والحجّة مريضة.»
قالوا له:
«امشِ، ما بنأذيك.»
فأجابهم بصورة عفوية:
«حدا بيأذي أبوه؟ أنتو ولادنا.»
دخلوا غرف المنزل كلها، وقبل مغادرتهم قال له أحدهم:
«إذا بيطلع حدا عندك، حسابك طلقة.»
ثم خرجوا وأمروه بعدم فتح الباب لأحد.

في اليوم التالي، جرى جمع من تبقّى في الشارع من الرجال والنساء، ووُجّه السلاح نحوهم، وطُلب منهم الجلوس في وضع القرفصاء بالقرب من عمود كهرباء في زاوية الشارع.
ويقول الشاهد إن المجموعة قامت بتصويرهم، ثم جرى تداول الصور على أنها دليل على أن الوحدات الكوردية تستخدم المدنيين دروعاً بشرية، في محاولة لقلب الحقائق.
كما أفاد بأنه شاهد ثلاث مجموعات مختلفة من المسلحين تطرق أبواب المنازل، وكانت ملامح أفرادها مختلفة.
وبحسب وصفه، كان أفراد المجموعة الأولى، وفق تقديره، غير سوريين، إذ وصفهم بأن رؤوسهم مدوّرة، وشعرهم أشقر وقصير، وقال إنهم بدوا له كمرتزقة.
أما أفراد مجموعة أخرى، فبدوا له أقرب إلى عناصر مدرّبة على الاقتحام، ووصفهم بأنهم في نحو الثلاثين من العمر.

ويقول إن أحدهم سأله:
«هل هناك أحد مختبئ عندك؟»
فأجاب:
«لا.»
ثم قال له:
«إذا بتفتح الباب، رصاصة وحدة… بتعرف شو رصاصة؟!»
فأجاب:
«تكرم عينك.»
وبعد ذلك قرر، بحسب قوله، ألا يفتح الباب مهما حدث.
وفي إحدى المرات، شاهد مجموعة من المسلحين في الشارع يضحكون ويتبادلون عبارات من قبيل:
«تعوا نتصور، بلكي حدا منا يموت بعد شوي.»

اللحظة التي انهار فيها الرجل

في المرة الثالثة، طُرق الباب مراراً.
فتح الرجل، فسُئل:
«مين عندك؟»
أجاب:
«من شوي سألتوني. ما حدا عندي غير زوجتي المقعَدة.»
فقال له:
«خلص، سكّر الباب.»
بعد نحو نصف ساعة، سمع أصواتاً في الشارع.
ثم سمع عبارات مهينة وفاحشة بحق امرأة، بما أوحى إليه، بحسب فهمه، بأن فتاة قد أُسرت.
يقول الشاهد إن تلك اللحظة كانت صادمة له، وإنه، رغم محاولته طوال حياته حبس غضبه وعدم البكاء، انهار في تلك اللحظة، لأنه شعر بالعجز عن فعل أي شيء.
وكانت الفتاة بالنسبة إليه، كما قال:
«مثل ابنته وأخته وشرف الجميع.»
ثم بدأت أصوات الدبابات تقترب.
وتكرر النداء على سكان المنازل للخروج، مع التأكيد لهم بأنهم لن يتعرضوا للأذى، قبل أن يُطلب منهم لاحقاً طرق الأبواب من الداخل، حتى لا يكون خروجهم مفاجئاً.

وكان السؤال يتكرر:
«مين عندك؟»
والجواب:
«ما في حدا.»
ثم التهديد:
«إذا حدا يطلع عندك، رصاصة وحدة.»

هذه ليست رواية حرب كُتبت من بعيد.
إنها شهادة رجل مسن عاش تلك الأحداث داخل منزله، وهو يحاول حماية زوجته المريضة، بينما كان الخطر يطرق بابه.

يتبع في الجزء الخامس:

«معركة القيامة»… الساعات الأخيرة… القصف والمقاومة والممرات التي خرج منها من استطاع إليها سبيلاً

اتحاد المحامين الكورد
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
بون – ألمانيا
23 أيلول 2026

شارك هذه المقالة