
الخروج عبر الممرات
بتاريخ 8 كانون الثاني 2026، صدرت أوامر بإخلاء المدنيين من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد خلال مهلة زمنية محددة، بالتزامن مع الإعلان عن فتح ممرين إنسانيين عبر العوارض وشارع الزهور.
غير أن مغادرة الأحياء لم تكن ممكنة لجميع المدنيين بصورة آمنة ومنظمة.
فقد شهدت الطرق المؤدية إلى الممرات ازدحاماً شديداً وحالة من الهلع الجماعي، فيما اضطر كثير من السكان إلى المغادرة سيراً على الأقدام أو بواسطة سياراتهم، وسط استمرار القصف والخوف من الاعتقال على الحواجز.
وبحسب شهادة أحد المدنيين، توجه عدد من السكان إلى شارع الزهور في حي الأشرفية باعتباره ممراً إنسانياً، إلا أن مشاهدة حالات توقيف واعتقال في صفوف الشبان الذين حاولوا العبور دفعت بعضهم إلى التراجع.
وأفاد عدد من الشهود أيضاً برصد سيارات مدنية ولوجستية تحمل لوحات تسجيل تركية في محيط الحيين، إضافة إلى عناصر مسلحة كانوا يتحدثون باللغة التركية فيما بينهم أثناء العمليات.
وهكذا، لم يكن الخروج مجرد قرار بالرحيل.
كان محاولة للنجاة وسط القصف والحواجز والشائعات المتضاربة حول مصير الحي.
وبحلول صباح 9 كانون الثاني 2026، وفي نحو الساعة 8:30، صدرت نداءات عبر جامع الحي تطالب الأهالي بالبقاء داخل منازلهم وعدم مغادرة المنطقة، إلى حين صدور تعليمات من إدارة مجلس الحي.
لكن القصف لم يتوقف.
وفي ساعات المساء، تعرض الشيخ مقصود لقصف شديد بالراجمات والمدفعية، ولا سيما من جهة دار العجزة.
وبحسب إفادات شهود، كان نحو 100 مسلح ينتشرون في شارع المرور، يتمركز كثير منهم على الأرصفة وتحت الشرفات، فيما انتشرت القناصة ورشاشات الدوشكا.
وكانت هناك خطوط دفاع متقدمة، تليها منطقة جامع صلاح الدين ثم مشفى ياسين.
ووصف شهود بعض المهاجمين بأنهم كانوا مدربين على الاقتحام، فيما كانت أصوات القناصة ورشاشات الدوشكا المقابلة واضحة، وسط مقاومة شديدة.
ويقول أحد الشهود:
«المعركة دامت نحو خمس ساعات. لم يتمكنوا خلالها من التقدم. عشنا الموت في تلك الساعات، كان المشهد أشبه بالقيامة، وكأن نار الجحيم تهطل في الشارع.»
وبحسب الشاهد، كانت أصوات القناصة ورشاشات الدوشكا التابعة للوحدات الكوردية واضحة من الجهة المقابلة، في ظل مقاومة وصفها بأنها استثنائية.
ويضيف:
«للأمانة، كل من قاوم واستشهد كانوا أبطالاً.»
وبحسب الإفادات التي تلقاها الاتحاد، كان غالبية الذين فقدوا حياتهم من أبناء عفرين.

رسالة من أحد المدافعين
خلال الأحداث، وصلت إلى الاتحاد رسالة من أحد المدافعين عن الحي.
ننقلها بوصفها إفادة شخصية لصاحبها، لا باعتبارها تقريراً مستقلاً عن الوقائع:
«هافاله دلال
خبر كل أهل عفرين وكل كورد كوكب الأرض، نحن أهل عفرين ما نرضى نعيش بالذل، وما راح نقبل بالذل مثلهم.
إذا استسلمنا وسلمنا حالنا، رح ياخدونا على شي صحراء ويقتولنا كلنا.
نحن ميتين على حالتين، لذلك الموت بكرامة أحسن من الاستسلام.
خبر كل كوكب الأرض بأنو نحن رب العالمين كتب علينا الشهادة، وكان حلمنا نرجع على عفرين مرفوعين الراس ونحررهم من الظلام.
سامحينا يا عفرين.
سامحونا يا أهل عفرين، ما قدرنا نحقق حلم التحرير. سامحونا يا أطفال عفرين، ما قدرنا نرسم الكم بسمة كوردية في عفريننا. سامحيني يا أمي لأني رح كون سبب في دمعة على خدك.
الموت ولا ذل تحت ظلام.»
تعكس الرسالة، بصرف النظر عن تقييم مضمونها العسكري أو السياسي، الحالة النفسية التي عاشها بعض المدافعين في الساعات الأخيرة: الخوف من الأسر، والخوف من المجهول، والإحساس بأن الخيارات أصبحت محدودة للغاية.
سبعة أيام من الجحيم كانت تقترب من نهايتها.
لكن ما بدأ بعد توقف القتال كان، بالنسبة إلى آلاف العائلات، فصلاً آخر من المأساة.
يتبع في الجزء السادس:
المفقودون والمعتقلون والجثامين مجهولة الهوية… ماذا حدث لمن لم يعودوا؟
اتحاد المحامين الكورد
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
بون – ألمانيا
25 أيلول 2026



