
منذ الأزل، ومنذ قِدَم الإنسان، بل منذ أن وُجد الإنسان على المعمورة، كانت الحياة تسير وفق معايير وضوابط محددة، تمثّلت في العادات والتقاليد والأعراف بمختلف تسمياتها، سواء أكانت ضمن الأسرة أو العائلة أو العشيرة أو القبيلة أو المجتمع، على اختلاف ألسنتهم وأجناسهم وقومياتهم ومعتقداتهم وأديانهم وبيئاتهم.
وعلى الرغم من أن تلك المعايير والضوابط والأعراف كانت مشوبة بالكثير من الأخطاء والعيوب والنواقص والفوضى، فإنها كانت في الواقع بمثابة دساتير وقوانين لتلك المجتمعات آنذاك، إذ كانوا يديرون شؤون مجتمعاتهم ويسيرون أمور حياتهم اليومية على أساسها.
ومع دخول عصر النهضة والحياة العصرية والحضارة الحديثة، ولا سيما خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأ الاهتمام بمفهومي الدستور والقانون يتزايد بصورة واضحة، نظراً إلى أهميتهما البالغة في قيام الدولة المدنية الحديثة واستمرار كيانها، وتعزيز ارتباط سكانها بها، وتنظيم علاقاتهم داخلها، وإدارة شؤونهم، وبيان الحقوق والواجبات، ليعرف كل فرد ما له من حقوق وما عليه من واجبات تجاه الدولة.
وقد شهد العصر الحديث ظهور الدساتير المكتوبة، إذ أُقرّ الدستور الأمريكي عام 1787 ودخل حيّز النفاذ عام 1789، ثم انتشرت الدساتير المكتوبة في أوروبا، وظهر في فرنسا علم القانون الدستوري الذي بدأ تدريسه في كليات الحقوق. أما في المنطقة العربية، فقد كان دستور الدولة العثمانية، الذي صدر في عهد السلطان عبد الحميد الثاني عام 1876، من أبرز التجارب الدستورية في المنطقة. وبعد انتهاء الحكم العثماني، ظهرت تجارب دستورية وطنية في عدد من الدول العربية، ومنها مصر وسوريا وتونس.
ما هو الدستور وما هو القانون؟
الدستور: هو وثيقة تتضمن القواعد القانونية العليا والشاملة في الدولة، وبموجبها يُحدَّد اسم الدولة ونظام الحكم فيها وسلطاتها التشريعية والقضائية والتنفيذية، والعلاقة فيما بينها، وحقوق المواطنين وواجباتهم، واللغة الرسمية، وشكل العلم الوطني وألوانه، والنشيد الوطني، ودين الدولة، وغيرها من المسائل الأساسية.
القانون: هو مجموعة من القواعد القانونية الملزمة التي تنظّم شؤون الدولة وحياة الأفراد داخلها، من خلال تحديد الحقوق والواجبات وفرض العقوبات على مستحقيها. ويعالج القانون موضوعاً معيناً؛ لذلك نجد قانون السير، وقانون العمل، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون العقوبات، وغيرها.
إذاً، يُعتبر الدستور الأصل والأساس، وهو بمثابة القانون الأب، ويتصف بالسمو لأنه يعلو على سائر القوانين في الدولة، وتكون القوانين الأخرى النافذة خاضعة لأحكامه.
بمعنى أنه لا يجوز أن يصدر عن السلطة التشريعية أي قانون مخالف للدستور، بل يجب تعديل القانون بما يتوافق مع أحكامه، أو الحكم بعدم دستوريته وفقاً للإجراءات القانونية المعتمدة. وتتولى المحكمة الدستورية، أو الجهة المختصة بحسب النظام الدستوري للدولة، الرقابة على دستورية القوانين.
كيفية وضع الدستور والقانون والجهة المخوّلة بصياغتهما
الدستور: يتم وضعه وصياغته من قِبل لجنة أو جمعية تأسيسية أو هيئة منتخبة، تضم فقهاء في القانون وخبراء في الاقتصاد والسياسة وغيرها من المجالات. وتُعدّ مسودة مشروع الدستور، ثم تُعرض على الجهة المختصة لإقرارها، وقد تُعرض على الشعب للاستفتاء والتصويت عليها بنعم أو لا. فإذا حصلت على الأغلبية المطلوبة قانوناً، واستُكملت الإجراءات الدستورية، أصبح الدستور معتمداً في البلاد.
وهذا أحد الأساليب الديمقراطية التي تتيح للشعب المشاركة في إقرار دستوره.
القانون: يتم وضعه وصياغته من قِبل السلطة التشريعية، المتمثلة بالبرلمان أو مجلس الشعب أو المجلس الوطني، بحسب التسمية المعتمدة في كل دولة. وقد يُقدَّم مشروع القانون من جهات أخرى مخوّلة دستورياً، بحسب نظام الحكم السائد في البلاد.
ويُناقَش مشروع القانون ويُصوَّت عليه، ثم يستكمل الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة، ليُصدر ويُنشر ويصبح نافذاً وفقاً للأصول المعتمدة.
المحامي محمد طه حسين



