
سبعة أيام من الجحيم (1/7)
الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية – ما حدث وما لم يُنشر
التوثيق قبل النشر
ما نعرضه اليوم ليس رواية جديدة للأحداث، ولا محاولة لإعادة فتح جراح لم تلتئم، بل جزء من شهادات ومواد توثيقية جمعها اتحاد المحامين الكورد خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني وحتى آذار 2026، وشملت إفادات وشهادات موثقة، وصوراً ووثائق ومستندات ومقاطع فيديو مرتبطة بما جرى في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية.
وقد تعمّد الاتحاد عدم نشر كثير من هذه المواد في حينها، رغم أهمية بعضها، حفاظاً على سلامة الشهود والضحايا وعائلاتهم، ولا سيما أن بعض الشهود كانوا لا يزالون في ظروف أمنية غير مستقرة، ولضمان وصولهم إلى أماكن آمنة وتمكينهم من الإدلاء بإفاداتهم أمام الجهات والمنظمات الدولية المختصة، مع الحفاظ على القيمة التوثيقية والقانونية للأدلة وإتاحتها لعمليات التحقق والتحقيق.
وكان الاتحاد قد نشر في حينه مواد مختصرة حول بعض جوانب الأحداث، إلا أنه تحفّظ عن نشر أسماء الأسرى والمفقودين على نطاق واسع، بسبب عدم التيقّن الكامل من دقة بعض المعلومات، وتغيّرها وتضاربها أحياناً. ففي قضايا تتعلق بحياة أشخاص ومصيرهم، لا تكفي المعلومة المتداولة وحدها للنشر، بل تقتضي المسؤولية المهنية والقانونية التحقق منها قدر الإمكان، وعدم السماح لمعلومات غير دقيقة بأن تتحول إلى وقائع متداولة يصعب تصحيحها لاحقاً.
وفي هذا السياق، سلّم الاتحاد 219 وثيقة وصورة ومستنداً، إضافة إلى مقاطع فيديو مسجلة، إلى جهات ومنظمات دولية مختصة، لتكون ضمن المواد التي يمكن الاستناد إليها في عمليات التوثيق والتحقيق وإعداد الملفات المقدمة إلى الجهات الدولية المعنية، بما فيها مجلس حقوق الإنسان.
لذلك، فإن عدم نشر هذه المواد في حينها لم يكن تردداً أو صمتاً، بل كان خياراً مهنياً وأخلاقياً هدفه حماية الشهود والضحايا وعائلاتهم، والحفاظ على سلامة الأدلة وقيمتها القانونية، وعدم تحويل مواد قد تكون ذات أهمية في تحقيقات مستقبلية إلى محتوى عابر على وسائل التواصل الاجتماعي.
بعد انتهاء المعارك… بدأ فصل آخر
اعتباراً من 11 كانون الثاني 2026 وما بعده، بدأت تصل إلى الاتحاد أسماء وصور مئات الأسرى والمفقودين، أرسلها ذووهم طلباً للمساعدة والكشف عن مصير أبنائهم وأقاربهم.
وفي الوقت نفسه، وصلت صور ومقاطع فيديو تتضمن، بحسب ما ورد إلى الاتحاد، مشاهد لانتهاكات بالغة الخطورة، من بينها سحل جثامين والاعتداء عليها والتمثيل بها، وقطع رؤوس، وقذف جثامين مقاتلات من طوابق عليا، إضافة إلى مشاهد تتضمن إهانات مهينة للنساء.
وامتنع الاتحاد عن نشر غالبية هذه المواد، حفاظاً على كرامة الضحايا وعائلاتهم، ولأن نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي ليس بديلاً عن حفظها كأدلة يمكن إخضاعها للفحص والتحقق المستقل.
بين الرحيل والبقاء
في ظل انقطاع الإنترنت الفضائي والأرضي، وبرودة الطقس، وانتهاء ساعات تشغيل المولدات والاشتراك الكهربائي (الأمبيرات)، عاش سكان الحيين أياماً من الخوف والحيرة.
حمل بعض السكان ما استطاعوا من أغراضهم المنزلية في سياراتهم، حتى أسطوانات الغاز، استعداداً لمغادرة الحي.
كان السؤال الأصعب:
هل نبقى أم نغادر؟
بالنسبة إلى كثيرين، كان الخروج باتجاه شرق الفرات يعني الخوف من بداية فصل جديد من التهجير، بينما كان البقاء يعني مواجهة القصف والاقتحام والاعتقال والمجهول.
وفي المقابل، كان هناك من يردد:
«سنقاوم».
وفي الوقت نفسه، كانت أجزاء واسعة من الشيخ مقصود قد أُخليت، وبدأ تشكيل رتل كبير للخروج، وسط معلومات عن اتفاق يجري التوصل إليه.
ومع بدء حركة الرتل، انتشرت شائعات عن احتمال تجدد القتال. اتجه بعض المدنيين سيراً على الأقدام نحو الممرات الإنسانية المؤدية إلى وسط مدينة حلب، بينما اتجه آخرون نحو المنطقة الشرقية.
كان الناس يحاولون اتخاذ قرار مصيري، بينما كانت الحرب لا تزال من حولهم.
سبعة أيام من الجحيم بدأت هنا.
يتبع في الجزء الثاني:
فتاة وحيدة في حيّ شبه فارغ… وشهادة أعادت قصتها إلى الواجهة بعد سبعة أشهر.
اتحاد المحامين الكورد
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
بون – ألمانيا
16 أيلول 2026



