قراءة قانونية وحقوقية في قضية القس نهاد طلعت حسن
آخرون يقرأون الآن
تصميم بدون عنوان_20260802_204544_٠٠٠٠

يتابع اتحاد المحامين الكورد باهتمام تطورات قضية القس نهاد حسن، وما رافقها من إجراءات أمنية وقضائية منذ دخوله الأراضي السورية قادماً من لبنان برفقة عائلته، وحتى احتجازه وإحالته إلى القضاء.
وكان من المقرر استجوابه بتاريخ 2 آب 2026، إلا أن الجلسة أُجِّلت إلى يوم الاثنين الموافق 3 آب 2026.

أولاً: الوقائع

القس نهاد طلعت حسن، من مواليد 3 آب 1980، ومن أبناء قرية Gundê Gorda التابعة لناحية جنديرسه (Cindirês) في منطقة عفرين (Efrîn).
دخل الأراضي السورية عبر أحد المعابر الحدودية الرسمية مستخدماً سيارته الخاصة التي تحمل لوحة تسجيل لبنانية، ولم يتعرض لأي استجواب أو إجراء أمني عند دخوله، الأمر الذي يؤكد عدم وجود أي مذكرة توقيف أو بلاغ قضائي بحقه في ذلك الوقت.
وبعد وصوله إلى قريته ونشر صور له مع أفراد عائلته على وسائل التواصل الاجتماعي معلناً وصوله، توجهت عناصر الأمن العام إلى القرية وقامت باحتجازه دون إبراز أي مذكرة قضائية أو أمر صادر عن جهة قضائية مختصة، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن احتمال أن يكون الاحتجاز قد تم بناءً على معلومات أمنية أو توجيهات استخباراتية، وليس استناداً إلى إجراءات قضائية أصولية.
كما قامت السلطات بحجز سيارته الخاصة التي تحمل لوحة تسجيل لبنانية، إضافة إلى هاتفه المحمول الشخصي، ولا يزالان محتجزين رغم مضي أسبوعين على الواقعة.

ثانياً: الإجراءات القضائية التي أعقبت الاحتجاز

عقب تنفيذ عملية الاحتجاز، قام قسم المباحث الجنائية في عفرين بتنظيم ضبط بحقه بصورة عاجلة، وأحاله بتاريخ 20 تموز 2026 إلى النيابة العامة في عفرين، التي أحالت الملف بدورها إلى قاضي التحقيق.
وقد نُسبت إليه الشبهة الآتية:
نشر محتوى رقمي على الشبكة بقصد الإساءة إلى أحد الأديان أو المقدسات أو الشعائر الدينية، وإثارة النعرات الطائفية، والحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة.
كما طلبت النيابة العامة إصدار مذكرة توقيف بحقه.
ويُلاحق القس نهاد حسن استناداً إلى القانون رقم /20/ لعام 2022 الخاص بتنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية، الصادر بتاريخ 18 نيسان 2022، والنافذ اعتباراً من 18 أيار 2022، ولا سيما المادة (31) المتعلقة بجرائم الإساءة إلى الأديان والمقدسات والشعائر الدينية، والتي تنص على:
يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من (3,000,000) ل.س ثلاثة ملايين ليرة سورية إلى (6,000,000) ل.س ستة ملايين ليرة سورية كل من أنشأ أو أدار موقعاً إلكترونياً أو صفحة إلكترونية أو نشر محتوى رقمياً على الشبكة بقصد الإساءة إلى أحد الأديان أو أحد المقدسات أو الشعائر الدينية أو الحض على الكراهية أو التحريض على العنف.
ويخشى اتحاد المحامين الكورد من أن يُحكم على القس نهاد حسن بموجب هذا النص القانوني.

ثالثاً: تطورات القضية

القس نهاد حسن محتجز حالياً في سجن موراتيه في عفرين.
وقد مثل أمام قاضي التحقيق في عفرين، الذي قرر التخلي عن النظر في الدعوى وإحالة الملف إلى قاضي التحقيق المختص بالجرائم المعلوماتية في مدينة حلب.
وتستند الملاحقة إلى ثلاث منشورات وتعليقات قديمة على موقع فيسبوك، استندت إليها جهة الادعاء من خلال لقطات شاشة (Screenshots) لمنشورات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأكد القس نهاد حسن أثناء استجوابه أنه لم يقصد إطلاقاً الإساءة إلى الذات الإلهية أو إلى أي دين أو معتقد، وأن ما يُنسب إليه لا يعكس قصده أو نيته.
ومن أكثر الجوانب إثارةً للتساؤل في هذه القضية أن هوية الجهة المدعية لا تزال مجهولة، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن احتمال وجود خلفية أمنية وراء تحريك الدعوى.
ويطرح ذلك عدداً من الأسئلة المشروعة، من أبرزها:

  • من هي الجهة المدعية الحقيقية التي تقف وراء هذه الدعوى؟
  • لماذا جرى تحريك القضية في هذا التوقيت تحديداً؟
  • ولماذا لم يتعرض القس نهاد حسن لأي مساءلة عندما زار دمشق وحلب وعفرين في مرات سابقة، رغم أن المنشورات ذاتها كانت موجودة آنذاك؟
    وهي تساؤلات مشروعة تستحق إجابات واضحة ومنطقية.

رابعاً: الموقف الحقوقي

يؤكد اتحاد المحامين الكورد ضرورة احترام الحق في حرية الرأي والتعبير، وحرية الفكر والمعتقد، وضمان عدم ملاحقة أي شخص بسبب آرائه أو معتقداته الدينية أو تعبيره السلمي، إلا وفق أحكام القانون والإجراءات القضائية التي تكفل المحاكمة العادلة وتحترم الضمانات الأساسية للمتهم.

خامساً: السياق القانوني وواقع القضاء

يرى اتحاد المحامين الكورد أن القضاء السوري خلال عهد النظام السابق كان يتمتع بهامش محدود من الاستقلالية، إلا أنه بقي عملياً خاضعاً لهيمنة الأجهزة الأمنية والتعليمات الصادرة عنها، وكانت عملية تعيين القضاة وترقيتهم واستمرارهم في مناصبهم مرتبطة بالموافقات الأمنية ومدى رضا السلطة عنهم.
وبعد سقوط النظام السابق، كان من المأمول الشروع في إصلاح قضائي حقيقي ينسجم مع مبادئ العدالة الانتقالية واستقلال السلطة القضائية، إلا أن ما جرى على أرض الواقع يعكس استمراراً لنهج تسييس القضاء، من خلال عزل عدد من القضاة، وفصل آخرين، وقبول استقالات تحت ذرائع مختلفة، مع الإبقاء على آخرين بعد تغيير ولاءاتهم السياسية، بما يوحي بإعادة إنتاج الممارسات السابقة بصورة مختلفة.
ويبرز في هذا السياق استمرار تطبيق القانون رقم /20/ لعام 2022 الخاص بتنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية، وهو القانون الذي أصدره الرئيس السوري الفارّ بشار الأسد، والذي تعرض منذ صدوره لانتقادات حقوقية وقانونية واسعة، باعتباره يقيّد حرية الرأي والتعبير، ويشكل أداة لتجريم المعارضين، ويتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، فضلاً عن مخالفته للضمانات الدستورية المتعلقة بحرية التعبير.
ومن المفارقات أن عدداً من القضاة الذين كانوا يطبقون هذا القانون بحق معارضي السلطة السابقة، يواصلون اليوم تطبيق النصوص ذاتها بحق منتقدي السلطة الحالية، بما يعكس استمرار النهج ذاته مع تبدل السلطة، دون إحداث إصلاح حقيقي في المنظومة القانونية أو القضائية.
كما أن كثيراً من القوى السياسية التي كانت تُلاحق سابقاً بموجب هذا القانون أصبحت اليوم تستخدم النصوص ذاتها في ملاحقة خصومها أو أصحاب الرأي الآخر، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بمبادئ العدالة الانتقالية وسيادة القانون. وما يحدث اليوم لا ينسجم مع مفهوم العدالة الانتقالية المنشودة في سوريا، بل يثير مخاوف من استمرار الملاحقات الانتقائية تحت غطاء القانون، أو من ممارسات انتقامية في ظل ضعف الضمانات الأمنية والقضائية.
وفي هذا السياق، شهدت الأشهر الماضية عزل 28 قاضياً في محافظة حلب، بينهم أربعة قضاة كورد، بذريعة ارتكاب انتهاكات بحق الثوار، كما شملت الإجراءات عدداً من قضاة محكمة الجنايات الذين تنحوا سابقاً عن النظر في بعض القضايا التي سببت لهم حرجاً.
كذلك، تم قبول استقالة أكثر من 26 قاضياً في عدد من العدليات السورية خلال النصف الثاني من عام 2025، وسط معلومات عن تعرض عدد منهم لضغوط أمنية.
وتثير هذه التطورات مجتمعة تساؤلات جدية حول واقع استقلال القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة، واحترام الحريات الدينية، وسيادة القانون، وحقوق المواطنين، والحاجة إلى بناء دولة ديمقراطية تقوم على سيادة القانون، وتحترم التعددية القومية والدينية والثقافية، وتكفل الحقوق والحريات لجميع مكونات المجتمع دون تمييز.

مطالب اتحاد المحامين الكورد

انطلاقاً من المبادئ القانونية والحقوقية، يدعو اتحاد المحامين الكورد إلى:

  • الإفراج الفوري عن القس نهاد حسن وإنهاء احتجازه.
  • إعادة سيارته الخاصة وهاتفه المحمول، وكافة ممتلكاته الشخصية المحتجزة دون سند قانوني.
  • ضمان احترام جميع حقوقه القانونية، وفي مقدمتها الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة أمام قضاء مستقل ومحايد.
  • احترام حرية الرأي والتعبير وحرية الدين والمعتقد، وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
  • العمل على إصلاح المنظومة القضائية بما يعزز استقلال القضاء ويؤسس لدولة ديمقراطية تقوم على سيادة القانون، وتحترم التعددية القومية والدينية والثقافية، وتكفل الحقوق والحريات لجميع مكونات المجتمع السوري دون تمييز.

اتحاد المحامين الكورد
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
بون – ألمانيا
2 آب 2026

شارك هذه المقالة