
إنّ الظلم ليس مجرد ممارسة يفرضها القوي على الضعيف، بل هو جرحٌ غائر في ضمير الإنسانية جمعاء. وفي عالم تتعالى فيه شعارات حقوق الإنسان والعدالة، ما يزال آلاف الضحايا يعيشون واقعاً صامتاً من الانتهاكات والقهر، محرومين من إيصال أصواتهم أو نيل الحد الأدنى من الحماية والإنصاف.
وتُعدّ قضية الأسرى من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً، إلا أنها لم تحظَ حتى اليوم بالاهتمام والتوثيق الكافيين، رغم ما يتعرض له الأسرى من انتهاكات جسيمة تمسّ الكرامة الإنسانية وتهدد الحق في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية.
وقد ورد إلى اتحاد المحامين الكورد عددٌ من الصور ومقاطع الفيديو التي توثّق انتهاكات خطيرة بحق الأسرى، شملت أعمال تعذيب وقتل وتمثيل بالجثث والسحل وقطع الرؤوس بحق مقاتلين ومقاتلات. كما استلم الاتحاد وثائق رسمية تتعلق بجثث مجهولة الهوية تحمل أرقاماً صادمة تقارب (3500) جثة، مع وجود مؤشرات على أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر من ذلك، وذلك خلال الشهرين الأول والثاني من العام الجاري.
توثيق شهادات الأسرى
خلال الفترة الممتدة بين 10 أيار 2026 و 24 أيار 2026، أجرى اتحاد المحامين الكورد لقاءات ميدانية مع عددٍ من الأسرى الذين أُفرج عنهم مؤخراً، حيث جرى توثيق شهاداتهم ورصد الانتهاكات التي تعرضوا لها أثناء الاحتجاز.
وبهدف الحفاظ على سلامتهم وأمنهم الشخصي، يحتفظ الاتحاد بأسمائهم الحقيقية، وتم الاستعاضة عنها بأحرف مستعارة، وهم:
• الأسير (IM) – 22 عاماً.
• الأسير (DM) – 24 عاماً.
• الأسير (MX) – 22 عاماً.
وقد ركزت الشهادات على الجوانب الإنسانية والانتهاكات التي تعرضوا لها خلال فترة احتجازهم في سجون الأمن العام السوري، عقب أسرهم بعد اتفاق الانسحاب بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والأمن العام السوري في منطقة دير حافر بتاريخ 17 كانون الثاني 2026.
ظروف الأسر وأحداث الاعتقال
تشابهت روايات الأسرى الثلاثة إلى حدٍّ كبير، كونهم كانوا يقاتلون ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية، وقد أُسروا في المنطقة ذاتها وبالطريقة نفسها.
وأوضح الأسرى أنه بتاريخ 16 كانون الثاني 2026، وأثناء انتشارهم في منطقة دير حافر، وصلتهم أوامر بالانسحاب، إلا أنّ الاتصالات انقطعت بشكل كامل خلال تنفيذ عملية الانسحاب، ما تسبب بحالة من الفوضى والارتباك نتيجة غياب التنسيق بين القيادات العسكرية. فبينما طلب بعض القادة من العناصر الدفاع عن أنفسهم، دعا آخرون إلى الانسحاب الفوري.
وأشاروا إلى أن موعد الانسحاب كان محدداً عند الساعة السابعة مساءً، إلا أن التأخير في جمع العناصر المنتشرين في القرى أدى إلى بقائهم حتى الساعة العاشرة ليلاً.
وخلال ذلك، كانت قوات الجيش والأمن العام والشرطة العسكرية قد دخلت المنطقة وفرضت حصاراً عليهم، وسط تفوق عددي كبير للقوات المهاجمة.
كما أفاد الأسرى باندلاع اشتباكات في منطقة مسكنة، مؤكدين أن مجموعات عشائرية شاركت إلى جانب القوات الحكومية، ولم تقتصر الهجمات على المقاتلين فقط، بل طالت منازل المدنيين الكورد وعائلاتهم أيضاً.
وبحسب الشهادات، عاد المقاتلون إلى نقطة تجمع سابقة خوفاً من الانخراط في معارك تؤدي إلى مقتلهم وترك جثثهم في الشوارع دون أي حماية أو توثيق.
ولاحقاً، جرى اتفاق بين قياداتهم ومحافظ حلب يقضي بتسليم الأسلحة مقابل ضمان عدم التعرض لهم ونقلهم عبر طريق سد تشرين، باعتباره ممراً آمناً لتسليمهم إلى رفاقهم.
إلا أن الاتفاق، وفقاً للشهادات، لم يُحترم، حيث تم نقلهم إلى مدينة حلب بدلاً من وجهتهم المتفق عليها، واحتُجزوا في القبو التابع لوزارة الداخلية السورية.
ظروف الاحتجاز داخل السجن
أكد الأسرى أنهم تعرضوا للاعتقال الجماعي داخل حافلات مكتظة، ضمت الواحدة منها نحو 150 شخصاً، بينهم مقاتلون ومدنيون وموظفون تابعون للإدارة الذاتية.
وداخل الباصات، صودرت جميع مقتنياتهم الشخصية وهواتفهم المحمولة، ولم يُسمح لهم بالاحتفاظ سوى بالملابس التي كانوا يرتدونها.
ووصف الأسرى السجن بأنه مقسم إلى ثلاثة أقسام (مهاجع) رئيسية:
• القسم الأول: زنزانة بمساحة تقارب 25 × 10 أمتار، ضمت حوالي 215 معتقلاً.
• القسم الثاني: بمساحة 15 × 5 أمتار، واحتوى على نحو 150 معتقلاً.
• القسم الثالث: خُصص للنساء، بمساحة تقارب 7 × 5 أمتار، وضم حوالي 60 مقاتلة.
كما أشاروا إلى وجود:
• نحو 15 معتقلاً تجاوزت أعمارهم 60 عاماً.
• حوالي 20 قاصراً تتراوح أعمارهم بين 15 و 18 عاماً.
وأكدت الشهادات أن ظروف الاحتجاز كانت قاسية وغير إنسانية، حيث لم تكن هناك مساحة للنوم، وكان المعتقلون يتناوبون على الوقوف لإفساح المجال لغيرهم للنوم.
كما افتقرت الزنازين إلى التهوية والإضاءة والفراش والأغطية، واضطر المعتقلون للنوم على الأرض الباردة وسط روائح خانقة ناجمة عن العفن والعرق وانعدام النظافة.
وأشار الأسرى إلى انتشار الحشرات والقمل والصراصير داخل الزنازين، مع غياب شبه كامل للنظافة والرعاية الصحية، مؤكدين أنهم لم يتمكنوا من الاستحمام طوال فترة احتجاز استمرت قرابة ثلاثة أشهر.
أما الطعام، فكان( بحسب الشهادات) عبارة عن خبز يابس ومياه مائلة إلى البياض ذات طعم غير طبيعي، وبكميات غير كافية.
التعذيب النفسي والجسدي
وثّق الأسرى تعرضهم لأشكال متعددة من التعذيب النفسي والجسدي.
فعلى المستوى النفسي، تحدثوا عن العزل الكامل عن العالم الخارجي، ومنعهم من التواصل مع عائلاتهم أو معرفة مصيرهم، إضافة إلى تعرضهم للإهانات والشتائم والتهديدات المستمرة، سواء بحقهم أو بحق عائلاتهم وقياداتهم.
كما أكدوا أن كبار السن والقاصرين كانوا يتعرضون للتعذيب أمام بقية المعتقلين، ما تسبب بآثار نفسية شديدة داخل الزنازين.
أما التعذيب الجسدي، فقد شمل الضرب بالعصي والخراطيم البلاستيكية القاسية، واللكم والركل أثناء التحقيق، إضافة إلى الصعق الكهربائي والحبس الانفرادي ومنع الطعام والشراب عن بعض المعتقلين.
وأشار الأسرى إلى أن أشد الانتهاكات ارتُكبت ( بحسب رواياتهم) من قبل عناصر من فصائل “العمشات” و”الحمزات” و”سلطان مراد” الذين انضموا إلى الأمن العام، حيث كانوا يستهدفون الجرحى بالضرب على مواضع إصاباتهم.
وبحسب الشهادات، لجأ المعتقلون إلى الإضراب عن الطعام وافتعال احتجاجات داخل الزنازين لإيصال أصواتهم إلى إدارة السجن، ما أدى لاحقاً إلى نقل بعض العناصر المتورطين في التعذيب وتحسنٍ نسبي في المعاملة، خاصة بعد تدخل منظمات إنسانية.
كما أشار الأسرى إلى تلقيهم بعض المساعدات الإنسانية والأدوية والبطانيات خلال شهر رمضان عبر جهات تحمل شعارات الأمم المتحدة.
الآثار الصحية والنفسية بعد الإفراج
أكد الأسرى الذين تمت مقابلتهم أنهم ما زالوا يعانون من آثار صحية ونفسية خطيرة بعد الإفراج عنهم، شملت:
• مشكلات وأضراراً في الأسنان.
• آلاماً في المفاصل والعظام.
• اضطرابات في الجهاز الهضمي.
• اضطرابات في النوم.
• الاكتئاب والقلق ونوبات الغضب.
• ضيقاً في التنفس وآثاراً نفسية مستمرة.
وأشاروا إلى أنهم يخضعون حالياً للعلاج والرعاية الطبية.
وفي الختام، نؤكد أن الشهادات المستنيرة والموثقة التي حصل عليها اتحاد المحامين الكورد تكشف عن انتهاكات خطيرة تمسّ المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الإنسان، وتستدعي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً لضمان محاسبة المسؤولين عنها ومنع تكرارها.
ويؤكد الاتحاد استمراره في توثيق هذه الانتهاكات والعمل على إيصال أصوات الضحايا إلى الجهات والمنظمات الدولية المختصة، انطلاقاً من واجبه الإنساني والحقوقي.
اتحاد المحامين الكورد
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
بون – ألمانيا
29 أيار 2026



