الكورد في سوريا و الحزام العربي
آخرون يقرأون الآن
نسخة من نسخة من نسخة من نسخة من نسخة من نسخة من منشور فيسبوك أخبار عاجلة أخ_20260710_194244_٠٠٠٠

المحامي : محمد طه حسين

الكورد : هم مكوّن أساسي من الشعب السوري بل هم القومية الثانية بعد القومية العربية نسبتهم حوالي 17% من مجموع سكان سوريا على أقل تقدير وفق الاحصاءات الغير الرسمية الصادرة عن بعض المنظمات الحقوقية وهم يقطنون في محافظة الحسكة وذات الأغلبية فيها وكذلك في شمال شرق محافظة حلب منطقة ( كوباني ) وشمال غربها منطقة ( عفرين ) ومنتشرون أيضاً وبنسب متفاوتة في حماة وريفها وريف اللاذقية وفي العاصمة دمشق ولا يخفى على أحد بل يعرفها القاصي والداني بأنّ الكورد لعبوا دوراً أساسياً و نضالياً في بناء سورية الحديثة منذُ ولادتها كدولة حيثُ قاوموا الاستعمار الفرنسي وشاركوا في صياغة الدساتير الأولى وساهموا في تأسيس المؤسسات الوطنية وانخرطوا في الثورات والمقاومة و مارسوا السياسة ونشروا الفكر والثقافة وعملوا في الاقتصاد والقضاء والتعليم ليُصبحوا بذلك جزءاً لا يتجزّأ من النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي السوري كل ذلك ساعد ويُساعد في دفع عجلة التنمية والتطوير والتحرير والاستقلال بالوطن وبناء دولة سوريا متقدمة مستقرّة ديمقراطية تتحقق فيها العدالة ويتساوى فيها المواطنون أمام القانون في الحقوق والواجبات لكن وبكل أسف نقولها وعلى مَضَض خُيّبت التوقعات وتبددت الآمال وضُيعت التطلعات بمجيء النظام البعثي الفاشي واستلامه السلطة وزمام الأمور وقضائه على دولة سورية الفتية التي كانت تتمتع بهامش من الديمقراطية و الوطنية وأصبح بذلك الحزب الحاكم للدولة والمجتمع في سنة 1963 إلى أن استلم آل الأسد السلطة و الحكم بانقلاب عسكري بغيض سُميت بالحركة التصحيحية في سنة 1970 وهذا ما زادَ في الوضع تعقيداً وأكثرُ سوءاً و ظلماً و قسوةً و قمعاً حيثُ أصبحت سوريا بحق دولة بوليسية القانون فيها مُتجاوز وخاضع للأجهزة الأمنية والدستور فيها مُخترق ومُعطّل بفعل قوانين الطوارئ لقمع أيّ انتقاد أو معارضة وترهيب المواطنين وزج الأبرياء وأصحاب الرأي والسياسيين في السجون مع علمنا التام وادراكنا الكامل للحقيقة والواقع الذي لا يختلف اثنان فيه و يعترف به العدو قبل الصديق بأنّ الكورد في سورية هم كانوا أصاحب النصيب الأكبر من هذه المُعاناة وهذا التمييز الذي تمثّل في ( الاقصاء و التهميش و الحرمان و الاضطهاد و الغبن و الظلم ) وفي مُقدمتها:

1 – الاحصاء الاستثنائي الجائر الذي جرى بحق الكورد سنة 1962 – الحزام العربي العنصري الذي نُفّـذ في المنطقة الكوردية سنة 1974و يسرُني أن أسلط الضوء وبشيء من التفصيل على الحزام العربي المشؤوم في ذكراه الــ / 52 / الذي نُفّـذ على أرض الواقع وبشكل فعلي في المنطقة الكوردية في / 24 حزيران / يونيو / سنة 1974.

1 – ما هو الحزام العربي : هو مشروع سياسي عنصري بامتياز نٌفذ في محافظة الحسكة ( المنطقة الكوردية ) في سنة 1974 استناداً إلى قرار القيادة القطرية لحزب البعث (المنحل) رقم /521/ وبناءً على توصية من رئيس شعبة الأمن السياسي حينها /محمد طلب هلال/ الذي كوفئ لاحقاً وأصبح وزيراً للزراعة بل ورئيساً للوزراء وذلك لأجل إحداث تغيير ديمغرافي في المنطقة الكوردية.

هذا المشروع التمييزي جاء كأحد أهم السياسات العنصرية من النظام البعثي الأسدي البائد في سوريا المُعاصر والتي استهدفت التركيبة السكانية واحداث تغيير ديمغرافي في المناطق الكوردية وبالتالي الفصل بين الكورد السوريين وامتدادهم الجغرافي مع كورد تركيا والعراق وبالطبع خُطط وحُضّر لهذا المشروع منذُ أن تسلّم البعثيين السلطة في سوريا وسبق تنفيذه جملة من الإجراءات والتصرفات الغير قانونية بل المخالفة للدستور السوري نفسه والتي انتهكت فيها أبسط حقوق الإنسان وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس ومنها على سبيل المثال وليس الحصر / الاحصاء الاستثنائي/ الجائر الذي أجراه النظام أيضاً في محافظة الحسكة / المنطقة الكوردية حصراً / ولمدة يوم واحــــــــد فقط لأجل عدم منحهم الفرصة ولكي يتم حرمان بل و تجريد أكبر قَــدر ممكن من الكورد السوريين من الجنسية السورية وبموجبه تمّ تجريد و حرمان / 120 / مائة و عشرون ألف كوردي من الجنسية السورية في سنة 1962 أي عندما كان مجموع سكان سوريا وقتذاك = 4;959;339 وفق الإحصائيات الموثّـقة عالمياً ولم يكتفِ النظام عند ذلك الفعل التعسفي بل أتبعه بسلسلة أفعال اخرى مُجحِفة بحق المُكـوّن الكوردي و المنطقة الكوردية منها الاستيلاء على أراضي الكورد بذريعة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي وبالتالي إلغاء ملكية الكورد لتلك الأراضي أو حيازتها وسُلِمت تلك الأراضي لمؤسسة مزارع الدولة كخطوة أولية أو تمهيدية لتنفيذ مشروعها العنصري الاستيطاني (الحزام العربي) تحت حجج و ذرائع واهية لا تمُت بصلة إلى الحقيقة والواقع كقول السلطة الحاكمة بأنها ستأوي الاسر العربية التي غمرت مياه سد الطبقة بيوتها أو تعويضهم عن أراضيهم التي غمرتها مياه السد وبالفعل مهما كانت الذرائع وكيفما كانت الحقائق وماذا كانت النتائج وبمن لحق هذا المشروع الاستيطاني الأضرار وكم بَلغ حجمه ومداه ومآسيه لم يكترث النظام البائد بذلك من شيء ولم يولِـه أيّة أهمية ضارباً كافة المواثيق والعهود والقوانين الدولية والداخلية والحقوقية والقيم الأخلاقية والدينية عَرض الحائط ومُصمماً عن سبق الإصرار على تنفيذ مشروعه العنصري الاستيطاني الذي سُميّ بـ ( الحزام العربي ) حيثُ جاء بهم إلى المنطقة الكوردية من(محافظة الحسكة ) وأنشأت لهم قُرى نموذجية مُجهزة بالبنية التحتية ( مستوطنات ) ناسيةُ السلطة الحاكمة أو مُتناسيةُ بأنّها هي مَن تنتقــد نقداً لاذعاً صباحاً مساءً القوات الإسرائيلية التي تبني المستوطنات في الجولان وهي قوات محتلة وتشكوها أمام العالم وتقاضيها أمام الهيئات الدولية والمنظمات الحقوقية والقضائية المختصة.

2 – عموماً نفّــذ نظام الأسد البائد المتمثّل بسلطة البعث المنحل ( الحزام العربي ) الاستيطاني عن طريق خلق شريط سكاني من المكوّن العربي في المنطقة الكوردية استقدمتهم من محافظتي الرقة و حلب و جعله حَـداً فاصلاً بين المنطقتين الكورديتين في كل من سوريا و تركيا بطول / 280 / كم يبدأ شرقاً من مدينة / ديرك و عين ديوار/ و ينتهى في مدينة راس العين / سري كانيي / وبعمق / 15 / كم و تُعرف هذه المنطقة بالمفهوم العلمي لمعدلات سقوط الأمطار بخط المطر الأول حيث يصل المعدّل السنوي لسقوط الأمطار فيها 400 مم وتعتبر من الأراضي الخصبة زراعياً حيثُ انشأت فيها مستوطنات نموذجية عددها / 41 / مستوطنة سكن فيها من الاسر العربية ( الغَـمر ) أكثر من أربعين ألف شخص في سنة 1974 وسلّمتهم السلطات السورية تلك الأراضي التي تمّ استيلائها من آغوات العشائر والفلاحين الكورد وبلغت المساحة الزراعية التي وزّعت عليهم / 3 / مليون دونم إن دلّ على شيء هذا يدل على أنّ تنفيذ هذا المشروع العنصري و تصرفات سلطات البعث حيال الشعب الكوردي في سوريا لم يكن وليدة لحظة بل جاء تتويجاً لسياسات عنصرية ممنهجة بحق الكورد تعود جذورها إلى عقود خلت وفق خطط موضوعة كانت تهدف إلى تهجير أو ترحيل الكورد من مناطقهم وإحداث تغيير ديمغرافي على أوسع نطاق ممكن ضمن دوافع قومية ضيّقة وبذلك هذا المشروع / الحزام العربي / لم يقتصر ضرره على انتهاك الحقوق العقارية فقط بل ضرب النسيج الاجتماعي وكرّس الانقسام العرقي وزرع الحقد والحسد والبغضاء وخلق العداء و بذور الفتنة بين مكونات الشعب السوري متبعاً سياسة ( فـرّق تَسُـد ) علماً بأنّ هذا الاستيطان العنصري والتجريد الظالم من الجنسية قد نتج عنهما حدوث ظاهرة الهجرة في صفوف البعض من السكان الأصليين ( الكورد ) من مناطقهم سواء أكانت هجرة داخلية أو خارجية بحثاً عن لقمة عيشهم بعد أن تم نزع ملكيتهم أو حيازتهم جبراً و دون أيّ وجه حَق أو قانون عادل عن تلك الأراضي الزراعية التي دافعوا عنها بدمائهم وسقوها بعرقهم طوال عقود من الزمن دون أن ينسوها وظلّوا مُطالبين بحقوقهم المسلوبة من السلطات البعثية المتعاقبة غير خائفين أو آبهين بالاعتقال أو حتى الاغتيال مؤمنين بشعار ( لا يموت حَق وراءه مُطالب ) وبدأ الحراك السلمي لأحزاب الحركة الكوردية في سوريا إلا أنّ سلطات البعث كانت لها بالمرصاد حيثُ بدأت بالملاحقات والاعتقالات وفرض الأحكام العرفية واصدار القوانين والمراسيم الجائرة بحق الكورد و مناطقهم .

كلنا يعلم دستوراً وقانوناً بأنّ مشروع الحزام العربي لم يكن له أي مبرر قانوني ولا حَق دستوري فإذا كان قد خَرَق الدستور والقانون السوريّين وخاصة المادة 15 من الدستور حق التملك مُصان ( لا يجوز نزع الملكية الفردية إلا للمنفعة العامة و مقابل تعويض عادل ) والمادة 33 منه ( المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين ) وكذلك المادة 771 من القانون المدني السوري ( لا يجوز ان يحرم أحد من ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون وأن يكون مقابل تعويض عادل )

3 – فمن باب أولى وبالتأكيد هو مخالف لقواعد القانون الدولي والقانون الدستوري وكذلك للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وخاصةً مواده ( 1 – 2 – 15 – 17 – 18 ) / الناس متساوون أمام القانون / التمتع بالحقوق دون تمييز / الحق في التمتع بالجنسية / / الحق في التملك / الحق في مستوى معيشي لائق ) ومما لا شك فيه إنّ هذه الانتهاكات لا تعد فقط تجاوزات على الصعيد المحلي بل هي تشكل خروقات خطيرة لمبادئ القانون الدولي لحقوق الانسان مثل / الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري بسبب العرق أو اللون أو الأصل الأثني والذي اعتُمد في 21 / دسمبر 1965 في نيويورك والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وبعد مرور /52 / سنة على تلك الذكرى المشؤومة / الحزام العنصري / وبزوغ شمس الحرية وانتصار ثورة الكرامة واسقاط النظام الأسدي الاستبدادي الذي استمر لعقود دخلت سورية مرحلة جديدة استبشر شعبها بعربه و كورده خيراً لبناء جيش وطني وإطلاق مسار سياسي شامل ووضع دستور جديد يعترف بالحقوق للانتقال بالبلاد نحو الاستقرار وتأسيس دولة مدنية ديمقراطية تعددية لا مركزية والذي زاد من سقف التوقعات وكثرة الآمال بروز ملفات العدالة الانتقالية و مبدأ إعادة الحقوق إلى أصحابها والبدء بتطبيقها على حالات القتل والاعتداء فإنّ ملفات الممتلكات و خرق مبدأ صيانة الملكية و حرية التملك و التغيير الديمغرافي الذي قام به النظام البائد في المنطقة الكوردية طوال العقود الماضية لا تقل أهمية أو خطورة عما قام به في العقدين الأخيرين من القتل و التدمير والتهجير و التشريد ونعيد ونتذكر جميعاً تلك الاعتداءات و الخروقات الدستورية وعلى رأسها المشروع العنصري / الحزام العربي / وما نتج عنه من أضرار وظلم و هدر للحقوق وتهميش بحق المكوّن الكوردي من الشعب السوري . عليه وفي ظل تطبيق و تنفيذ قانون العدالة الانتقالية في سوريا الحديثة وبالتوازي مع البحث والتحري عن مجرمي الحرب وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم إلى القضاء لمحاكمتهم كي ينالوا جزاءهم العادل نطلبُ بأن يتم أيضاً إعادة الحقوق إلى أصحابها الأصليين وأن يتم تطبيق القانون كاملاً غير مُجـزّأ وبما يتوافق مع أهداف و غايات القانون و مقاصد المُشرّع وعن طريق الآليات والسياقات القانونية التالية :

إلغاء جميع المراسيم والقرارات و اللوائح الخاصة ( بالحزام العربي ) الذي تمّ تنفيذه في المناطق الكوردية من محافظة الحسكة سنة 1974 تطبيع الأوضاع في المناطق الكوردية التي جرى فيها التغيير الديمغرافي من قِـبل النظام البعثي البائد وإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل ذلك .

إلغاء جميع المراسيم والقرارات السابقة الصادرة عن النظام البائد المتعلقة بــ ( الملكية والتمليك ) في المناطق الحدودية مثل المرسوم /41 / الصادر سنة 2004 المعدّل بالمرسوم / 49 / لسنة 2008

4 -إلغاء مظاهر التعريب في المناطق الكوردية التي أحدثها النظام السابق وذلك من خلال إعادة أسماء القرى و المدن الكوردية القديمة إليها الموثقة في السجلات العقارية وسجلات الأحوال المدنية / النفوس / بدلاً من اسمائها الجديدة المُعرّبة . السير بخطى متسارعة في تنفيذ المرسوم رقم / 13/ لعام 2026 إلغاء الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ التي فرضها النظام السابق ولعقود في المناطق الكوردية بشكل خاص وفي سورية بشكل عام دون أيّ مبرر قانوني أو ضرورة وطنية .

لاشك أنّ تطبيق القانون وتحقيق العدالة والاعتراف المتبادل وضمان حقوق كل مكوّن دون تمييز أو إقصاء والتعاون فيما بين أبناء الشعب الواحد والعيش المشترك هو السبيل في بناء مجتمع متماسك وقوي وقد أثبتت التجارب عبر التاريخ أنّ المجتمعات والدول الديمقراطية التي تؤمن بالعيش المشترك والاعتراف بالآخر والتعددية وتنبذ الطائفية والعنصرية تبقى هي الدول الأكثر استقراراً و تقدماً و قوةً فليكن شعارنا وسعـيَنا هوالوطن للجميع في ظل سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية .

المـــــــــراجع :

-الدستور و القانون ( السوري )

-الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

شارك هذه المقالة