الحقوق الدستورية أم المقاعد البرلمانية ؟
آخرون يقرأون الآن
718818590_122187017918772273_8875596390123177516_n

مع كل خطوة سياسية جديدة في سورية يتجدد الجدل حول جدوى المشاركة في المؤسسات السياسية والبرلمانية. فهناك من يرى فيها ضرورة سياسية تفرضها متطلبات الحضور والتأثير
فيما يراها آخرون مشاركة شكلية لا تمس جوهر القضايا الوطنية والقومية العالقة.
والحقيقة أن كلاً من الرأيين يحمل جانباً من الصحة والمنطق انطلاقاً من زواايا مختلفة في قراءة المشهد السوري وتعقيداته وتجارب مراحله السابقة.
غير أن السؤال الجوهري يبقى قائماً:
ما قيمة المشاركة السياسية إذا لم تحمي حقوق الشعوب والمكونات السورية بنصوص دستورية واضحة وضمانات راسخة تكفل المساواة والعدالة وتحمي التنوع الوطني والقومي من أي انتقاص أو تهميش؟

بالنسبة للشعب الكوردي في غربي كوردستان، لا يمكن اختزال القضية في عدد المقاعد البرلمانية أو حجم التمثيل السياسي داخل أي مؤسسة. فالقضية الكوردية لم تكن يوماً قضية مناصب أو مكاسب سياسية مؤقتة ولا منحة أو مكرمة من رئيس أو وزير،، بل هي قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية ويتمتع بهويته وثقافته ولغته وحقوقه المشروعة..
إن هذه الحقوق ليست امتيازات قابلة للمنح أو السحب وإنما هي حقوق أصيلة وثابتة لا يجوز تجاوزها أو التعامل معها كملفات مؤجلة بانتظار ظروف سياسية أكثر ملاءمة. فالحقوق لا تسقط بالتقادم ولا تفقد مشروعيتها بمرور الزمن، بل تبقى قائمة ما دام أصحابها متمسكين بها ومطالبين بضمانها في نصوص دستورية واضحة وملزمة.

إن المشاركة السياسية قد تمنح فرصة للتعبير عن المطالب والدفاع عن الحقوق كما تمثل شكلاً من أشكال الممارسة الديمقراطية المنشودة لكنها بحد ذاتها لا تشكل ضمانة حقيقية لحماية تلك الحقوق.
فالحكومات تتغير أو تسقط، والبرلمانات تتبدل والأغلبيات السياسية تتغير كما تتبدل التحالفات تبعاً للمصالح والظروف. أما الحقوق فلا يمكن أن تبقى رهينة هذه التحولات بل تحتاج إلى أسس قانونية وضمانات دستورية راسخة تحميها من التقلبات السياسية وتغير موازين القوى وتكفل استمراريتها وصونها عبر مختلف المراحل.

وهنا يفرض الواقع سؤالاً لا يمكن تجاهله:
هل ستبقى حقوق الشعب الكوردي خاضعة لمعادلات السياسة المتغيرة والتوافقات المؤقتة أم ستكرس دستورياً بوصفها حقوقاً ثابتة ومكتسبة محمية بضمانات قانونية ملزمة؟

لقد أظهرت التجارب الدولية في الدول متعددة القوميات والثقافات أن الاستقرار السياسي والاجتماعي المستدام لا يتحقق إلا من خلال اعتراف دستوري متبادل بين المكونات الوطنية كافة مقرون بضمانات واضحة وملزمة لحقوقها.
وتكتسب هذه الخلاصة أهمية خاصة في الحالة السورية حيث يفرض التنوع القومي والثقافي والديني الحاجة إلى إطار دستوري يعالج جذور النزاع ويؤسس لشراكة وطنية متوازنة بين جميع المكونات.
فالدستور الحديث لا يقتصر على تنظيم السلطات بل يمثل عقداً اجتماعياً يؤسس للشراكة الوطنية ويكفل الحقوق الفردية والجماعية على أساس المساواة والعدالة واحترام التنوع.

وتوفر عدة تجارب دستورية أمثلة ذات صلة مباشرة بمتطلبات الحل الدستوري في سوريا. ففي العراق أقر الدستور مبدأ التعدد القومي واللغوي واعترف بإقليم كوردستان وصلاحياته ضمن إطاار الدولة الاتحادية بما يعكس أهمية الاعتراف الدستوري بالهويات الوطنية المختلفة وتنظيم العلاقة بينها وبين مؤسسات الدولة. ورغم أن الدستور العراقي شكّل خطوة مهمة في ترسيخ الحقوق القومية للشعب الكوردي فإنه لم ينص صراحةً على حق تقرير المصير.

وعلى الرغم من خصوصية التجربة العراقية واختلاف الظروف السياسية ووالتاريخية بين العراق وسوريا، فإنها تقدم دروساً مهمة يمكن الاستفادة منها وتؤكد أن الاعتراف الدستوري بالتعددية القومية والثقافية وتوفير الضمانات القانونية الكفيلة بحماية حقوق المكونات المختلفة، يشكلان شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار وبناء دولة المواطنة والشراكة المتكافئة بين جميع مكونات.

وتبقى حقيقة موضوعية ذات أبعاد تاريخية وقانونية لا يجوز تجاهلهاوهي أن الشعب الكوردي يشكل أحد المكونات الأصيلة في هذه المنطقةوله وجود تاريخي راسخ يسبق قيام الدولة الوطنية الحديثة.
فالإقرار الدستوري بوجوده القومي وحقوقه المشروعة يمثل حقاً أصيلاً يتوافق مع مبادئ المساواة وعدم التمييز ومع حق الشعوب في صون هويتها الثقافية واللغوية وضمان مشاركتها في إدارة الشأن العام.

إن الانتقال من منطق الإنكار والإقصاء إلى منطق الاعتراف والشراكة يمثل المدخل الحقيقي لبناء دولة حديثة تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية وتكفل الحقوق والحريات لجميع مكوناتها دون تمييز.

وعليه فإن مسؤولية الدولة السورية الجديدة ومؤسساتها لا تقتصر على إدارة المرحلة السياسية الراهنة بل تمتد إلى تأسيس دولة قائمة على سيادة القانون والمواطنة المتساوية تكفل الحقوق القومية والدستورية للشعب الكوردي إلى جانب حقوق جميع المكونات السورية ضمن إطار من العدالة والشراكة والاحترام المتبادل.
كما أن المقاعد البرلمانية قد تشكل إحدى أدوات العمل السياسي لكنها لا تمثل الغاية النهائية. فالضمانات الدستورية والقانونية هي الأساس الحقيقي للاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي الركيزة التي تُبنى عليها الثقة بين الدولة ومواطنيها.

أما السؤال الأهم الذي ينبغي أن يسبق أي نقاش حول المشاركة أو المقاطعة فلا يتعلق بعدد المقاعد أو حجم التمثيل السياسي بل بمدى توافر الضمانات الدستورية والقانونية التي تكفل حماية الحقوق والحريات وتنظم ممارستها على نحو متساوي. فهذه الضمانات تمثل الإطار الناظم للعلاقة بين الدولة والمواطنين وتشكل أساس الشراكة الوطنية وسيادة القانون.

الحقوقي رشيد عيسو

شارك هذه المقالة