دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية ج٢ المحامي محي الدين نعمان
آخرون يقرأون الآن
FB_IMG_1778227350395

إشكالية وحدة الأراضي في مواجهة التعدد القومي وحق تقرير المصير

بعد استعراض الإطار التأسيسي والأيديولوجي لدستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والوقوف على النصوص الدستورية التي تُكرّس مبدأ وحدة الدولة وسلامة أراضيها بوصفه أحد المرتكزات العليا للنظام، تبرز الحاجة إلى الانتقال من العرض الوصفي إلى التحليل النقدي.
فالنصوص الدستورية، على الرغم من تماسكها الداخلي، تثير جملة من الإشكاليات القانونية عند مقارنتها بالمعايير المعاصرة في القانون الدولي، ولا سيما فيما يتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، والاعتراف بالتعدد القومي.
ومن هنا، يهدف هذا الجزء إلى تفكيك البنية القانونية لهذا المبدأ، وبيان طابعه الشمولي، واستكشاف انعكاساته على الواقع الحقوقي، في ضوء الممارسات العملية والسياق الإقليمي المقارن.

ثانياً: الطابع الشمولي لمبدأ وحدة الأراضي

يتضح من النصوص أعلاه أن مبدأ وحدة الأراضي يمثل مبدأً دستورياً شاملاً يتغلغل في مختلف المجالات: العسكري، والسياسي، والإداري، والتنفيذي، فضلاً عن مجالي الأمن القومي والسياسة الخارجية.
وهو ما يؤدي، من الناحية القانونية، إلى تكريس مبدأ ذي طابع فوقي ضمني يتمتع بأولوية هرمية على باقي الحقوق.

ثالثاً: إشكالية التعدد القومي وحق تقرير المصير

تنطلق البنية الدستورية من مقدمة تؤسس النظام السياسي على مفهوم “الأمة الإسلامية” بوصفه إطاراً جامعاً، بما يؤدي إلى إدماج مختلف المكونات القومية ضمن هوية دينية–سياسية واحدة، دون الاعتراف الصريح بالتعدد القومي، وهو ما يثير إشكالية قانونية جوهرية.
كما أكّد ميثاق الأمم المتحدة في المادة (1/2) على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بوصفه أساساً لتنمية العلاقات الدولية.
ومن منظور القانون الدولي، يُعدّ حق تقرير المصير حقاً أصيلاً لجميع الشعوب، يتمتع بطبيعة آمرة، لا سيما في الحالات المرتبطة بأرض وشعب متميز.
ورغم إقرار القانون الدولي بمبدأ سلامة الأراضي، كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن هذا المبدأ ليس مطلقاً، بل يظل مقيداً بعدم إنكار هذا الحق.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن كوسوفو (2010) أن إعلانات الاستقلال لا تُعد، في حد ذاتها، مخالفة للقانون الدولي عند ارتباطها بممارسة هذا الحق.
وفي السياق الدستوري الإيراني، ورغم أن المادتين (56) و (154) تُقرّان من حيث المبدأ أن السيادة المطلقة لله، وأن الإنسان مُنح حق تقرير مصيره بوصفه حقاً إلهياً أصيلاً، وتعتبران الاستقلال والحرية حقاً لجميع شعوب العالم، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن فجوة بنيوية واضحة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية. فالشعب الكوردي في إيران، الذي يُقدَّر تعداده بمايزيد عن ثمانية ملايين نسمة، يظل محروماً فعلياً من ممارسة هذا الحق، لا سيما في بعده الجماعي.
كما أن التعبير عن هذا الحق أو المطالبة به غالباً ما يُواجَه بإجراءات ذات طابع أمني، مما يثير إشكاليات جدية تتعلق بحماية الحقوق الأساسية، ولا سيما حرية التعبير والحقوق السياسية، ويعكس في الوقت ذاته تعارضاً مع المعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الشعوب.

رابعاً: الانعكاسات الحقوقية للمقاربة الدستورية

أفرزت المقاربة الدستورية القائمة على أولوية وحدة الدولة وسلامة أراضيها انعكاسات مباشرة على واقع الحقوق والحريات العامة، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالأمن القومي والنشاط السياسي. وتُظهر تقارير حقوقية دولية استمرار ارتفاع معدلات تنفيذ أحكام الإعدام في إيران، حيث تم تسجيل أكثر من ألف حالة إعدام خلال عام 2025، في ظل تصاعد الاعتماد على نصوص جنائية ذات صياغات فضفاضة في القضايا السياسية والأمنية.
ومن الناحية القانونية، تثير التهم المستخدمة في هذا السياق، مثل “محاربة الله” و“الإفساد في الأرض” و“التواطؤ ضد الجمهورية الإسلامية”، إشكاليات تتعلق بمبدأ الشرعية الجنائية، وضمانات المحاكمة العادلة، ومبدأ التناسب في العقوبة، فضلاً عن الالتزامات الدولية المرتبطة بحماية الحقوق الأساسية ومنع التعذيب وسوء المعاملة.
ويكشف هذا الواقع عن اتساع الفجوة بين الضمانات المقررة نظرياً في النص الدستوري وبين التطبيق العملي، حيث تتقدّم اعتبارات الأمن ووحدة الدولة على حماية الحقوق والحريات، بما يؤدي إلى تكريس مقاربة قانونية ذات طابع تقييدي في التعامل مع المعارضة والنشاط السياسي.

خامساً: السياق الإقليمي المقارن

تتقاطع سياسات الدول التي تسيطر على أجزاء من كوردستان في هدف واحد، تقليص الهوية القومية الكوردية، رغم اختلاف الخطاب.
وتتبنى أنماطاً دستورية وأيديولوجية مختلفة ظاهرياً، لكنها تتقاطع في النتيجة ذاتها، وهي طمس الهوية القومية الكوردية.
ففي إيران يتم ذلك ضمن مفهوم “الأمة الإسلامية”، وفي تركيا من خلال خطاب “العيش المشترك” و“الأخوة” و“الجمهورية الديمقراطية”، وفي سوريا عبر مفهوم (أمة عربية واحدة).
ومع التحولات الأخيرة، برزت خطابات مثل “سوريا للجميع”، التي تُطرح كمفاهيم جامعة لكنها تفتقر إلى ضمانات دستورية فعلية للتعدد القومي، وتعيد إنتاج الإشكالية ذاتها تحت غطاء “المواطنة المتساوية” الشكلية.
وفي مقابل هذه النماذج، يُعدّ دستور العراق لعام 2005 نموذجاً متقدماً نسبياً، لاعترافه الصريح بالقومية الكوردية وبإقليم كوردستان ضمن البنية الدستورية، ما يجعله أكثر توافقاً مع مبدأ التعدد القومي.

في الختام، تُظهر هذه القراءة أن الدستور الإيراني يُكرّس مبدأ وحدة الأراضي بوصفه مبدأً دستورياً فوقياً، مقابل اعتراف محدود ومقيّد بالحقوق، مع غياب صريح للاعتراف بالتعدد القومي، الأمر الذي يُفضي إلى اختلال بنيوي بين سيادة الدولة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ويؤدي استمرار هذا البناء إلى إبقاء النظام القانوني في حالة توتر مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، في ظل استمرار مقاربات الإنكار والقمع بوصفها عائقاً بنيوياً أمام أي مسار قائم على الاعتراف والعدالة.

شارك هذه المقالة