
في إطار مهمة إنسانية وإغاثية، قام أحد الشخصيات العامة بزيارة ميدانية إلى حي الشيخ مقصود في مدينة حلب مطلع شهر شباط 2026، واستمرت الجولة نحو أسبوع، برفقة فريق محدود ضمّ شخصيات أجنبية عاينت الواقع على الأرض بشكل مباشر والتقت عدداً من الشهود.
وقد جاءت الزيارة بدافع إنساني بحت، بهدف الاطلاع على أوضاع المدنيين وتقييم الاحتياجات العاجلة.
غير أن ما تمّت معاينته وتوثيقه خلال الزيارة فاق بكثير ما جرى تداوله في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إذ تشير الشهادات التي جُمعت إلى أن ما نُشر لا يعكس سوى جزء محدود من حجم الانتهاكات التي شهدتها المنطقة، وأن الكارثة على أرض الواقع أوسع وأعمق بكثير مما ظهر للرأي العام.
حجم المأساة: شهادات تحت وطأة الخوف
أفادت شهادات ميدانية بأن كثيراً من الأهالي يمتنعون عن الإدلاء بإفاداتهم خوفاً من الانتقام أو الاعتقال، في ظل ما وصفوه بفظاعة أساليب القتل وحالة الرعب التي عاشها السكان، الأمر الذي دفع العديد منهم إلى الصمت وفقدان الثقة بأي جهة يمكن أن تنقل معاناتهم بأمان.
كما يتجنب عدد من العائلات البحث عن أبنائهم المفقودين خشية التعرض للمساءلة أو الاتهام الجاهز، من قبيل:
«هل ابنك في الحزب؟ إذن أنت أيضاً معه»،
وما قد يستتبع ذلك من تضييق أو اعتقال أو إهانات.
ومن بين الشهادات التي تم توثيقها خلال الزيارة:
- إصابة إحدى المدافعات وتركها حتى اليوم التالي دون إسعاف، مع تعرّضها للركل والإهانة بألفاظ مهينة، بحسب إفادات متطابقة.
- توثيق موقع في الجهة الغربية من الحي، حيث أفاد شهود بوجود 17 جثة دُهست بالدبابات في نقطة أُقيم فيها لاحقاً جدار حديث البناء.
- استهداف رتل قرب المشفى الوحيد في الحي أثناء محاولته الخروج، حيث تمّت محاصرته وقصفه، ما أدى إلى مقتل من كان فيه، وفق روايات شهود عيان.
- الإبلاغ عن حالة قطع رأس أحد الأشخاص ووضعه إلى جانب جثمانه.
- الإبلاغ عن انتشار عدد كبير من السيارات المحروقة في شوارع مختلفة من الحي.
- الإبلاغ عن إعدامات ميدانية لأسرى، وُثّقت في مقاطع فيديو متداولة، إضافة إلى الإبلاغ عن حرق بعض الجثامين في مواقع متفرقة من الحي.
ولم يعاين الفريق موقع مشفى خالد فجر (مدرسة ياسين ياسين سابقاً) بشكل مباشر، غير أن شهوداً متطابقين في رواياتهم أفادوا بوجود عدد كبير من الجثامين في محيطه، بما يعكس حجم العنف الذي شهدته المنطقة وفق إفاداتهم.
احتجاز الجثامين وطمس الأدلة
بحسب إفادات موثقة، جرى خلال شهر يناير احتجاز ما يقارب 270 جثماناً في برادات المشفى الجامعي ومركز الطبابة الشرعية في منطقة جب القبة بحلب.
وقد سُمح لبعض الأهالي بالتعرّف على جثامين أبنائهم دون تسليمها لهم، فيما أُصدرت شهادات وفاة تحمل أكواداً رقمية مبهمة من دون توضيح أسباب الوفاة بشكل مفصل.
وترافقت هذه الإجراءات مع عمليات دفن في مواقع غير معلنة، ما أثار مخاوف جدية من طمس الأدلة المرتبطة بظروف الوفاة.
كما أشارت الشهادات إلى استخدام آليات ثقيلة (بلدوزرات) قرب جامع صلاح الدين لإزالة الركام، وسط مخاوف من أن تكون هذه الأعمال غطاءً لإنشاء مقابر جماعية غير معلنة.
ولوحظت سرعة غير اعتيادية في تنظيف الشوارع وإزالة آثار الدمار وتغيير معالم بعض المواقع، الأمر الذي عزّز المخاوف من وجود جهود منهجية لطمس معالم الانتهاكات.
كما ترد في بعض الإفادات إشارات إلى دور لجهات إقليمية في تسهيل هذه العمليات، وهي ادعاءات تستدعي تحقيقاً مستقلاً.
المعتقلون والمغيبون قسراً
تفيد المعلومات المتقاطعة بوجود مراكز احتجاز في منطقة الشقيف، إضافة إلى فرع الأمن العسكري قرب دوار الباسل، حيث تشير المصادر إلى احتجاز ما يقارب 1000 مدني ومقاتل في هذين الموقعين.
كما وردت تقارير عن اعتقال عشرات الشبان عند مفرق أعزاز، في حين لا يزال مصير المئات مجهولاً حتى تاريخ إعداد هذه الشهادة.
عبّر الأهالي عن امتعاضهم الشديد من استمرار تجاهل ملف المعتقلين والمغيبين قسراً، مؤكدين أن معاناتهم تتفاقم في ظل غياب الشفافية بشأن أعداد المفقودين ومصيرهم، وعدم إدراج قضيتهم ضمن أولويات أي مسار تفاوضي أو مطالبات علنية بالإفراج عنهم.
وأشار عدد من الأهالي إلى أن لدى مؤسسات الإدارة الذاتية بيانات دقيقة عن العاملين لديها من أبناء المنطقة، ولا سيما في قطاعات: أسايش حلب، هيزا شهبا، هيزين عفرين، هيزين حلب، إعلام عفرين، YPG حلب، T.Ş Şervan Heleb، وجبهة حلب إلخ.
ويرى الأهالي أن الإعلان عن الأرقام الدقيقة للمفقودين من هذه المؤسسات خطوة ضرورية للتخفيف من حالة الغموض التي تضاعف ألم العائلات.
توثيق ميداني لمنع تغييب الحقيقة
خلال الزيارة، جرى توثيق عدد من المواقع عبر الصور ومقاطع الفيديو، بما في ذلك الأماكن التي تعرّضت للقصف، وموقع دهس الجثامين، والمبنى الذي أُلقيت منه جثة الفتاة التي انتشرت صورها على وسائل التواصل الاجتماعي.
المشاركون في الجولة، ومن بينهم مرافقون أجانب عاينوا بعض المواقع بأنفسهم، عبّروا عن صدمتهم من حجم الدمار والانتهاكات. وقد شكّل التسارع الملحوظ في إزالة الآثار وتغيير معالم بعض المواقع دافعاً إضافياً للإسراع في التوثيق قبل ضياع الأدلة المحتملة.
كما يلتزم الاتحاد بعدم نشر المواد البصرية التي تتضمن مشاهد قد تمس بكرامة الضحايا أو خصوصية ذويهم، انسجاماً مع المعايير الحقوقية الدولية المتعلقة بحماية الكرامة الإنسانية، على أن تُحفظ هذه المواد في إطار سري وتُحال حصراً إلى الجهات القضائية أو الدولية المختصة عند الطلب.
مطالب قانونية وحقوقية
استناداً إلى الشهادات والمعطيات الموثقة، وإلى الأرقام المتعلقة بجثامين مجهولة الهوية التي تم استلام بياناتها من جهات ذات صلة بالطبابة الشرعية، والتي تفيد بأن العدد يتجاوز 3300 جثمان (مع العلم أن الرقم الموثق فعلياً أعلى من ذلك) فإن حجم الكارثة يستدعي تحركاً عاجلاً ومستقلاً.
وعليه، نطالب بـ:
- تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للتقصي حول الأحداث، والتحقيق في دور الجهات الطبية المعنية في إصدار شهادات وفاة غير مفصلة، والتحقق من أسباب الوفاة الحقيقية.
- الكشف الفوري عن مواقع المقابر الجماعية المحتملة في محيط جامع صلاح الدين ومقبرة نقارين.
- تسليم جثامين الضحايا إلى ذويهم لدفنهم بشكل لائق، وتعويض عائلاتهم وفق الأطر القانونية المعمول بها.
- الكشف الفوري عن مصير المعتقلين والمغيبين قسراً، والإفراج عنهم أو عرضهم على جهات قضائية مستقلة تضمن حقوقهم القانونية.
اتحاد المحامين الكورد
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
بون – ألمانيا
3 آذار 2026

