سجن الراعي: توصيف قانوني شامل لمنظومة الاحتجاز والانتهاكات الممنهجة
آخرون يقرأون الآن
FB_IMG_1772216548517

يُعدّ سجن الراعي أحد أبرز مراكز الاحتجاز غير النظامية، ويقع في مدينة الراعي شمال شرقي محافظة حلب، قرب الحدود السورية–التركية. ويخضع السجن لإدارة ما يُسمّى بـ«الشرطة العسكرية» التابعة للفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، ضمن منظومة أمنية تعمل تحت إشراف فعلي ومباشر من أجهزة الاستخبارات التركية.
ويُستخدم هذا المرفق بصورة أساسية لاحتجاز المدنيين، ولا سيما المواطنين الكورد القادمين من منطقة عفرين، منذ سيطرة تلك الفصائل على المنطقة في آذار 2018.
تشير شهادات متطابقة ومصادر موثوقة إلى أن سجن الراعي يُشكّل حلقة مركزية في نمط ممنهج من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، حيث يُحتجز المدنيون دون أوامر قضائية، أو توجيه تهم واضحة، أو عرضهم على محاكم مستقلة، مع حرمان كامل من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
وخلال عام 2024 وحده، جرى توثيق مئات حالات الاعتقال في عفرين، شملت أطفالاً ونساءً، مع استمرار اختفاء مئات المعتقلين قسراً، إضافة إلى نقل أعداد كبيرة منهم إلى سجن الراعي ومراكز احتجاز أخرى خاضعة للفصائل المدعومة من تركيا، تحت إشراف أمني تركي مباشر.

من الناحية البنيوية، لا يُعدّ سجن الراعي منشأة احتجاز قانونية أو نظامية وفق المعايير الدولية، إذ يتكوّن من مبانٍ خدمية سابقة (غالباً مدرسة أو دائرة حكومية)، وذلك وفق شهادات حصلت عليها لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة من ناجين من هذا السجن. وقد أفاد هؤلاء بأنهم، أثناء دخولهم إلى السجن وخروجهم منه، كانوا معصوبي الأعين ويُحتجزون في الطوابق السفلية، إلا أن الممرات الطويلة أوحت لهم في الغالب بأن المبنى كان مدرسة جرى تحويلها قسراً إلى مكان للاحتجاز، دون أي تهيئة قانونية أو إنسانية.
وتُدار هذه المرافق في بيئة تتسم بالاكتظاظ الشديد، حيث يُحتجز عشرات المعتقلين داخل غرف ضيقة لا تتناسب مع الحد الأدنى من متطلبات المساحة، ويُجبرون على النوم على الأرض في ظل نقص حاد في الأغطية والملابس، وانعدام مستلزمات النظافة، ولا سيما خلال فصل الشتاء.
وتتفاقم أوضاع الاحتجاز داخل الزنازين الانفرادية، التي تُستخدم كأداة للعقاب أو أثناء التحقيق، حيث يُحتجز المعتقلون في مساحات شديدة الضيق، مظلمة، سيئة التهوية، ولمدد تمتد من أيام إلى أسابيع. ويُعدّ هذا النمط من الحبس الانفرادي المطوّل محظوراً بموجب القانون الدولي، ويُصنّف شكلاً من أشكال التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
كما تعاني مرافق السجن من انعدام شبه كامل للتهوية والإضاءة، وارتفاع مستويات الرطوبة، خاصة في الطوابق السفلية، إلى جانب غياب الرعاية الصحية الأساسية. فلا يوجد كادر طبي مؤهّل أو أطباء دائمون، وتُهمل معالجة الإصابات الناتجة عن التعذيب، كما ينتشر سوء التغذية نتيجة رداءة الطعام ونقصه.
وتُستخدم مرافق صحية بدائية للغاية، حيث يُجبر عدد كبير من المعتقلين على استخدام مرحاض واحد دون أي خصوصية، في انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية.

وتؤكد شهادات معتقلين سابقين وجود غرف مخصّصة للتحقيق والتعذيب داخل السجن، غالباً ما تكون معزولة عن الزنازين العامة. وتشمل أساليب التعذيب الموثّقة الضرب المبرح، والتعليق، والصعق الكهربائي، والتقييد لفترات طويلة، والحرمان من النوم والطعام، والحبس في أماكن ضيقة ورطبة. وقد شبّه عدد من الناجين سجن الراعي بسجن صيدنايا من حيث مستوى القسوة والانهيار النفسي الذي يبلغه المعتقلون، حيث يُنظر إلى الدخول إليه بوصفه نهاية للحياة الطبيعية.
ويُحرم المعتقلون بشكل منهجي من أي تواصل مع العالم الخارجي، إذ تُمنع الزيارات كلياً أو تُقيَّد بشكل نادر، ولا يُسمح بوجود محامين أو تمثيل قانوني، كما لا تُبلَّغ العائلات بمكان الاحتجاز في كثير من الحالات.
وغالباً ما يتم التواصل مع الأهالي عبر الابتزاز المالي وطلب الفدية مقابل معلومات أو وعود بالإفراج.
كما تؤكد شهادات موثوقة حديثة أن عدداً من النساء من منطقة عفرين ما يزلن مختطفات ومحتجزات في سجن الراعي حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، ويحتفظ اتحاد المحامين الكورد ببياناتهن ووثائقهن. ويستوجب ذلك الإفراج الفوري وغير المشروط عنهن، وضمان سلامتهن الجسدية والنفسية، ومحاسبة المسؤولين عن استمرار احتجازهن تعسفياً.
ولا يقتصر دور سجن الراعي على كونه موقع احتجاز محلي، بل يُشكّل جزءاً من منظومة احتجاز عابرة للحدود، تبدأ بالاعتقال في عفرين، مروراً بسجن أعزاز ثم الراعي، وصولاً إلى النقل غير القانوني إلى داخل الأراضي التركية، ثم الإعادة لاحقاً.
وقد وثّقت شهادات ناجين احتجازهم والتحقيق معهم داخل تركيا باستخدام اللغة التركية حصراً، واحتجاز بعضهم في سجون تركية في ولايتي كلس وهاتاي، إلى جانب محاكمات صورية افتقرت إلى أبسط معايير العدالة، حيث صدرت أحكام قاسية بتهم فضفاضة مثل «الإرهاب»، دون أدلة أو دفاع فعلي، وبما شمل ابتزازاً مالياً عبر محامين مرتبطين بالمنظومة ذاتها.

وتكشف هذه الممارسات عن بُعد تمييزي واضح، ولا سيما بحق المدنيين الكورد، وخصوصاً الإيزيديين، حيث سُجّلت حالات إهانات جماعية ذات طابع عرقي وديني، وحظر استخدام اللغة الكوردية، ومحاولات فرض تغيير المعتقدات الدينية بالقوة، ما يفتح الباب أمام توصيف هذه الأفعال كجرائم اضطهاد، إضافة إلى كونها جرائم حرب.
ومن منظور القانون الدولي، تمثّل ممارسات الاحتجاز والتعذيب والإخفاء القسري في سجن الراعي انتهاكات جسيمة ومنهجية لاتفاقيات جنيف، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، فضلاً عن الانتهاك الواسع لقواعد نيلسون مانديلا الخاصة بمعاملة السجناء.
كما يُشكّل النقل القسري للمعتقلين عبر الحدود ومحاكمتهم داخل دولة الاحتلال إخلالاً صريحاً بالمواد 49 و 64 و 66 من اتفاقية جنيف الرابعة، وانتهاكاً مباشراً للحق في المحاكمة العادلة.

وتتحمّل تركيا مسؤولية قانونية دولية مباشرة عن هذه الانتهاكات، نظراً لتورطها وشراكتها، ولممارستها سيطرة فعلية على المنطقة، وإشرافها على الفصائل المسلحة، ومشاركة أجهزتها الأمنية في الاعتقال والتحقيق والنقل والاحتجاز والمحاكمة. ولا يمكن فصل سجن الراعي عن سياسة أوسع تعتمد الاحتجاز التعسفي والنقل القسري والمحاكمات الصورية كأدوات لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي في عفرين.
وعليه، فإن الانتهاكات المرتكبة في سجن الراعي تمثّل نمطاً مركّباً من الجرائم الجسيمة التي ترقى إلى مستوى الجرائم الدولية، وتستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً، ومساءلة قانونية شاملة لجميع المسؤولين عنها، بمن فيهم الجهات التي تمارس السيطرة الفعلية والإشراف المباشر على منظومة الاحتجاز.

اتحاد المحامين الكورد
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
بون – ألمانيا
25 شباط 2026

شارك هذه المقالة