الأوضاع الإنسانية في مدينة كوباني وريفها
آخرون يقرأون الآن
FB_IMG_1772216364882

منذ اندلاع الحراك الشعبي في سوريا عام 2011، وما تبعه من تحولات سياسية وعسكرية، شكّلت مدينة كوباني إحدى أبرز بؤر التأثر بمسار النزاع المسلح محلياً ودولياً.
وقد اكتسبت المدينة حضوراً دولياً لافتاً خلال مواجهاتها مع تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، حتى وُصفت في بعض الأوساط بـ(عين العالم) تعبيراً عن رمزية صمودها آنذاك.
تعود كوباني اليوم إلى واجهة الأحداث في سياق مغاير، يتمثل في حصار ممتد تجاوز سبعةً وثلاثين يوماً، في ظل ظروف إنسانية متدهورة. إذ فُرضت قيود مشددة لمنع دخول المواد الأساسية، بما في ذلك الأغذية والأدوية وحليب الأطفال، عقب تطويق المدينة عسكرياً من قبل فصائل مسلحة مرتبطة بالحكومة السورية المؤقتة.
ولا يقتصر الأمر على الحصار، بل يمتد وفقاً لشهادات محلية متقاطعة إلى وقوع انتهاكات في عشرات القرى الكوردية، شملت نهب الممتلكات الخاصة والعامة، بدءاً من المواد التموينية المنزلية إلى الآليات الزراعية والمعدات الصناعية، فضلاً عن إحراق منازل وتخريب أخرى.

أولاً: الانعكاسات الإنسانية

أفضت هذه التطورات إلى تفاقم حاد في الوضع الإنساني، حيث نزح عدد كبير من سكان القرى المتضررة إلى مركز المدينة. وقد لجأ العديد منهم إلى السكن في المدارس ودور العبادة، فيما اضطر آخرون إلى الإقامة في مركباتهم أو في مقطورات زراعية، في ظروف مناخية قاسية خلال فصل الشتاء. وأسفر ذلك عن تعطّل العملية التعليمية في المدينة وريفها نتيجة تحويل المدارس إلى مراكز إيواء، فضلاً عن التدهور العام في الأوضاع الأمنية والمعيشية.
أما أوضاع المهجَّرين من ريف المدينة فتتسم بطابع كارثي، سواء في حال عودتهم إلى قراهم أم استمرار نزوحهم. ففي حال العودة، يواجه السكان غياباً كاملاً لمقومات الحياة الأساسية، حيث تمت سرقة ممتلكات واسعة النطاق، بما فيها تجهيزات حيوية مثل مضخات الآبار الارتوازية (الغطاسات) وما يتبعها من معدات كهربائية، الأمر الذي يعيق تأمين المياه الصالحة للاستخدام.
أما في حال استمرار النزوح، فتبرز مخاطر كثيرة، من بينها تفشي الأمراض والأوبئة نتيجة الاكتظاظ وضعف الخدمات الصحية وشح الموارد.
وفي سياق متصل، وردت إفادات محلية متقاطعة — تعذّر التحقق منها ميدانياً بسبب القيود الأمنية والحصار — تفيد بوجود اختلالات في آليات توزيع المساعدات الإنسانية، شملت شكاوى من سوء الإدارة، وعدم وصول بعض المساعدات إلى مستحقيها، وادعاءات ببيع جزء منها أو توزيعها بأساليب غير لائقة.
وهي ادعاءات تستدعي مراجعة إدارية شفافة لضمان العدالة في التوزيع وصون كرامة المستفيدين.

ثانياً: الأبعاد القانونية والسياسية

يثير استخدام الحصار كوسيلة ضغط على السكان المحليين إشكاليات قانونية جسيمة في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما يتعلق بحظر تجويع المدنيين أو معاقبتهم جماعياً. كما يُخشى أن يكون الحصار أداة لدفع السكان إلى النزوح الداخلي أو الخارجي، أو إلى القبول بوقائع سياسية وأمنية جديدة تُفرض بالقوة.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في المنطقة عبر النزوح القسري أو غير المباشر، في ظل استحضار سوابق تاريخية مثل مشروع (الحزام العربي) الذي طُبّق في سبعينيات القرن الماضي في المناطق الشمالية من سوريا.
ويُعدّ أي تغيير ديموغرافي قسري — إن ثبت — انتهاكاً جسيماً للمعايير الدولية ذات الصلة بحماية السكان المدنيين.
كما تشير إفادات محلية إلى تمركز قوات عسكرية سورية داخل عدد من القرى في ريف كوباني، ولا سيما في الجنوب والجنوب الشرقي، مع بلاغات متكررة للأهالي بضرورة إخلاء منازلهم ومغادرتها.
ووفقاً لتلك الإفادات، تتم عمليات الإخلاء تحت ضغط مباشر، ما يثير مخاوف من نزوح قسري محتمل أو ترتيبات طويلة الأمد قد تفرض واقعاً جديداً على الأرض، في ظل غياب توضيحات رسمية كافية بشأن طبيعة هذا الانتشار وأهدافه.

ثالثاً: نطاق القرى المتضررة

تشير المعطيات المحلية إلى أن عدداً كبيراً من القرى الواقعة في الجهة الشرقية والجنوبية الشرقية من كوباني قد دخلتها فصائل مسلحة تُصنَّف ضمن تشكيلات مرتبطة بالحكومة السورية المؤقتة، ومدعومة من تركيا، وتعرضت كلياً أو جزئياً لأعمال نهب أو تخريب، ما أدى إلى نزوح سكانها إلى مركز المدينة.
وتشمل هذه القرى، على سبيل المثال لا الحصر:
الجلبية، خراب عشك (الكبيرة والصغيرة)، كوكتبة (فوقاني وتحتاني)، أبو صرة، صالوكة، يدي قوي (سبع جفار)، حمه توبك، بيشك، كولي كتي، خراب صارونج، صفرية، كوجكميت، دمرجك (شرقي وغربي)، مزغنة، كرك كيتكان، بلك، منيف، حمدون (شرقي وغربي)، برداغ، توزلجة، توقلي، درفليت، بيرك، مندك، برجو، ميل، جيل، عابر، شرابانية، همك، بير جرود، بيرة كور، جورتانك، بير أفدو، جخور (شرقي وغربي)، درب تحت، قنطرة، مرسر، خان مامد، خويدان، نولك، جوغان، قولان (شرقي وغربي)، بير ناصر، زناري قول، نور علي، خراب بركير، قراط كرد، قرية عيدو، أسدية، أومرك، أوج قارداش، بوغة، شيخ قمر، خانك أفدو، قولنك (فوقاني وتحتاني)، بيرخات، قلحديد، قيج قرآن، حيمر، زيتو، قولان برج، لقلقو، قراريشك، سبت، زريك (الكبيرة والصغيرة)، كورك علي زر، بير بكي، ساق.
إن استمرار الحصار وتداعياته الإنسانية، مقروناً بالادعاءات المتعلقة بأعمال النهب والتخريب والنزوح الواسع، يفرض ضرورة فتح تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد المسؤوليات، وضمان حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
كما يتطلب الأمر تحركاً عاجلاً من الجهات المعنية إقليمياً ودولياً لمنع تفاقم الأزمة، وصون الحقوق الأساسية للسكان، وفي مقدمتها الحق في الحياة والأمن والسكن والمياه والتعليم، وفقاً للمعايير المقررة في القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

اتحاد المحامين الكورد
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
بون – ألمانيا
27 شباط 2026

Í

شارك هذه المقالة