
تُظهر نتائج الرصد الميداني الذي قام به اتحاد المحامين الكورد وجود مؤشرات مقلقة على استمرار أنماط من الإقصاء، وضعف الكفاءة المؤسسية، وتنامي التدخل في الحريات الشخصية والمهنية، بما ينعكس سلباً على الثقة بالمؤسسات العامة.
ويستند هذا البحث إلى إفادات وشهادات متطابقة من موظفين ومحامين ومراجعين لدوائر رسمية، جرى توثيقها خلال الفترة الأخيرة، مع التحفّظ عن ذكر الأسماء.
أظهرت نتائج الرصد وجود خلل في المشهد الإداري العام:
مفهوم “نحن حررناكم” وأثره في الواقع الإداري.
أشارت إفادات إلى وجود خطاب ضمني قائم على فكرة “نحن حررناكم”، وما يرتبط به من مظاهر تفضيل ومنّة أو معاملة خاصة على أساس الانتماء المناطقي إلى إدلب. فالسيارة التي تحمل لوحة إدلب يُفسح لها الجميع الطريق، في تذكير بسيارات الأمن في النظام البائد.
وقد تم توثيق حالات في بعض الدوائر الرسمية، منها دائرة الأحوال المدنية، حيث أُفيد بتعيين موظفين دون امتلاكهم أي مؤهلات.
وفي إحدى الوقائع ذكر مراجع حرفياً: ذهبتُ إلى النفوس لتسجيل أولادي، فتسلّم موظف دفتر العائلة مني، ثم أعطاه إلى موظف آخر للقيام بالكتابة، إذ لم يكن يعرف ماذا يفعل. ولدى السؤال عن الموضوع قيل لي: هذا من إدلب، لا يعرف الكتابة، لكنه موظف (ومتلو متايل).
كما أُفيد بوجود منصب إداري مستحدث في القصر العدلي بحلب تحت مسمّى “رئيس العدلية”، واسمه الشيخ أبو جابر، وهو الآمر الناهي في القصر العدلي بحلب. وهو غير حقوقي، ومعه دورة شرعية من إدلب، ويُمارس صلاحيات واسعة داخل القصر العدلي رغم عدم تمتعه بتأهيل قانوني متخصص.
وبحسب الإفادات، ففي كل دائرة يوجد شيخ هو الآمر الناهي، وهم أشخاص ذوو خلفية شرعية غير قانونية، ويتولّون أدواراً تقريرية مؤثرة.
وتعكس هذه المعطيات، وفق الشهادات، نمطاً من التمكين القائم على الولاء والانتماء، بدلاً من معايير الكفاءة والاستحقاق.
إقصاء الكفاءات المحلية
أفادت شهادات متطابقة من مثقفين وأكاديميين وموظفين محليين بتعرّضهم للتهميش والإقصاء من مواقع صنع القرار والإدارة العامة، رغم امتلاكهم خبرات تراكمية ومؤهلات علمية.
وأكدت هذه الشهادات أن آليات التعيين الحالية لا تعتمد معايير شفافة، ما أدى إلى إبعاد كفاءات محلية عن مواقعها الطبيعية، واستبدالها بأشخاص يفتقر بعضهم إلى الخبرة المطلوبة. وتكررت على ألسنة عدد من الشهود عبارة مفادها أن الواقع القائم لم يُحدث تغييراً جوهرياً في بنية الإدارة مقارنة بالمرحلة السابقة، من حيث تغييب المشاركة الفعلية للكفاءات المستقلة.
التضييق على الحريات الشخصية والمهنية
في وقت تشهد فيه البلاد أوضاعاً اقتصادية ومعيشية متدهورة، وتحديات جدية في تأمين الخدمات الأساسية، تم رصد صدور جملة من القرارات والإجراءات التي اعتُبرت بعيدة عن الأولويات الملحّة، وتمسّ الحريات الشخصية والمهنية.
فقد صدر عن محافظ اللاذقية التعميم رقم (12/10/675/ص) بتاريخ 26 كانون الثاني 2026، والموجّه إلى كافة إدارات الدولة ومؤسساتها، متضمناً طلب إبلاغ جميع العاملات بعدم وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي، تحت طائلة المساءلة القانونية.
كما أُفيد بصدور قرارات مماثلة في جهات أخرى، من بينها نقابة المحامين بحلب، تضمّنت الطلب من المحاميات عدم التبرّج، إضافة إلى تسجيل حالات تضييق في بعض الدوائر الرسمية، وُصفت بأنها تدخل مباشر في نطاق الحرية الشخصية دون مسوّغ قانوني واضح.
وتشكّل هذه التعاميم قيداً على الحرية الشخصية المكفولة دستورياً، وتُثير شبهة مخالفة مبدأ المشروعية لعدم استنادها إلى نص تشريعي صريح، فضلاً عن تعارضها مع مبدأ المساواة واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

قرارات الشطب والإجراءات النقابية
أصدر فرع نقابة المحامين بريف دمشق بتاريخ 29 تشرين الأول 2025 قراراً إدارياً معجّل النفاذ، بصفته الولائية، يقضي بشطب عشرة محامين ومنعهم من مزاولة المهنة، استناداً إلى ما اعتُبر عدم التقيد بالأخلاق الحسنة التي توحي بالثقة والاحترام الواجبين للمهنة. وأُشير إلى أن لجنة “كشف الحقيقة والإنصاف” المشكلة من الفرع أوصت بالشطب الحكمي لفقدان أكثر من شرط من شروط ممارسة المهنة.
كما صدر عن مجلس فرع نقابة المحامين بحلب القرار رقم (2335) بتاريخ 28 تشرين الأول 2025، القاضي بشطب 43 محامياً حكماً من الجدول. وقد صدر قرار الشطب الحكمي بصفة إدارية ولائية لا قضائية تأديبية، ما يجعله معجّل النفاذ، كما أن الطعن فيه أمام مجلس النقابة لا يوقف التنفيذ.
وتشير المصادر إلى أن العقلية الانتقامية والإقصائية والنفوذ الجديد هي المتحكّمة، وسط مخاوف من توظيف الصلاحيات الإدارية بصورة تؤثر في استقلالية العمل النقابي وحق الدفاع، وتنطوي على تعسّف في استعمال الحق.
التهديدات والمناخ المهني داخل الوسط القانوني
وثّق التقرير قيام عدد من أعضاء منتدى يُعرف باسم “منتدى المحامين في سورية” بتوجيه تهديدات مباشرة إلى محامين كورد على منصات التواصل، واستخدام عبارات تهديد وتحريض وإهانة، وتجاوزهم كل الأخلاقيات، واتباع أسلوب التشبيح مع من يختلف معهم في الرأي، من بينها عبارات صريحة تمسّ السلامة الشخصية.
كما أُفيد باستغلال بعض الأعضاء لنفوذهم والتهديد باتخاذ إجراءات أو توقيف محامين مخالفين لآرائهم داخل القصر العدلي، في سلوك لا ينسجم مع القيم المهنية وأخلاقيات مهنة المحاماة.
وأعرب عدد من المحامين، ولا سيما من المحامين الكورد، عن تخوّفهم من تقديم شكاوى إلى النيابة العامة أو النقابة في ظل شعور متزايد بتراجع ضمانات الحصانة المهنية، وانتشار قناعة بأن بعض السلطات باتت تمارس دور الخصم والحكم في آنٍ واحد، بما يُضعف الثقة بفاعلية سبل الانتصاف القانونية.
تُظهر المعطيات الواردة في هذا الرصد وجود مؤشرات على:
– ضعف معايير الكفاءة والشفافية في التعيينات الإدارية.
– استمرار أنماط الإقصاء والتهميش للكفاءات تحت مبررات فضفاضة.
– تنامي تقييد الحريات الشخصية داخل المؤسسات العامة.
– إساءة استخدام السلطات النقابية والإدارية بصورة تمسّ استقلالية المهنة وحيادية المؤسسات الحكومية.
– تراجع الإحساس بالأمان المهني لدى عدد من المحامين.
وتؤكد هذه المؤشرات تراجعَ سيادةِ القانون، وما يترتب عليه من مساسٍ بضمان استقلال المؤسسات النقابية والقضائية وصون الحريات الأساسية وفق المعايير الوطنية والدولية ذات الصلة.
اتحاد المحامين الكورد
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
بون – ألمانيا
17 شباط 2026




