
لا تولد القضايا الكبرى من فراغ ولا تُختزل في لحظات سياسية عابرة أو نتائج تفاوضية مؤقتة.فالقضية الكوردية تعد احدى أقدم القضايا القومية في الشرق الأوسط
قد تشكلت عبر مسار تاريخي طويل تراكمت فيه عناصر الجغرافيا والحضارة واللغة والثقافة والذاكرة الجمعية لشعب ما زال يناضل من أجل نيل الاعتراف بحقوقه الأساسية.منذ عقود طويلة نشأت أجيال كوردية متعاقبة في بيوت حملت هذه القضية بوصفها جزء من الهوية اليومية،ليس كخطاب سياسي طارئ او مؤقت ولا عبر شعارات فارغة وإنما انتقل هذا الوعي من جيل إلى جيل من خلال التجربة والمعاناة والإحساس المشترك بالانتماء إلى قضية عادلة لم تجد بعد إطارها القانوني الذي يضمن حقوقها .
إن قيمة وخصوصية القضية الكوردية تكمن في كونها أقدم م من حيث االوجود التاريخي من العديد من الدول القومية الحديثة القائمة اليوم. فهي نتيجة مباشرة لإعادة رسم الخرائط في القرن العشرين وما رافق ذلك من سياسات إقصاء وإنكار وتهميش ممنهجة امتدت لعقود طويلة وما تزال مستمرة الي يومنا الحالي.لذلك فإن اختزال القضية الكوردية في كونها مجرد مطلب سياسي يعتبر غير دقيق وغير منصف لأنه يتجاهل أبعادها الثقافية والاجتماعية والإنسانية.وايضاً لا يمكننا ان ننسى،أن االقضية الكوردية قضية شعب قدم تضحيات جسيمة وكثيرة في سبيل الحفاظ على هويته ووجوده. فالآلاف الشهداء الذين سقطوا في مختلف مراحل النضال وعلى امتداد الجغرافية الكوردية لم يكونوا يوماً جزءاً من صراع على السلطة أو من أجل مكاسب سياسية وإنما كانوا تعبيرا عن إرادة جماعية رافضة للتهميش والإقصاء ومدافعة عن الحق في حياة كريمة كما كل الشعوب. فهذا يمنح القضية مشروعية لا يمكن إنكارها أو تجاوزها بحلول سطحية وآنية.
هنا تبرز إشكالية حصر القضية الكوردية في إنجازات أو مكاسب سياسية مؤقتة مثل تولّي المناصب الحكومية أو التمثيل البرلماني أو بعض القرارات الإدارية.على الرغم من أن المشاركة السياسية تظل وسيلة مهمة ضمن مسار النضال، فإنها لا تشكل بحد ذاتها ضمان دائم للحقوق إذ تبقى هذه المكاسب رهينة موازين القوى السياسية وقابلة للتراجع أو الإلغاء مع تغيرالأنظمة أو تبدل التحالفات.تظهر التجارب التاريخية، في الحالة الكوردية وفي قضايا مشابهة حول العالم,أن الحقوق التي لا يحميها الدستور تبقى ضعيفة ويمكن سحبها في أي وقت. لذلك فإن المشكلة الأساسية لا تتعلق بعدد المقاعد أو حجم التمثيل السياسي، بل بوجود إطار قانوني واضح وثابت ينظم العلاقة بين الدولة والشعب الكوردي ويضمن حقوقه.
لا حل لكل ما سبق إلا من خلال الدستور باعتباره الضامن الحقيقي للحقوق الفردية والجماعية،فالدستور عقد اجتماعي يحدد شكل الدولة وينظم توزيع السلطة ويكفل الحقوق على قدم المساواة دون تمييز. وإذا لم ينص هذا الدستور بوضوح وصراحة على الحقوق الكاملة للشعب الكوردي فإن أي حل أو تسوية سياسية ستبقى ناقصة وقابلة للفشل أو الانهيار مع تغير الظروف.السلام الحقيقي لا يمكن تحقيقه من خلال تفاهمات مؤقتة أو خطابات غير ملزمة ولا عبر وساطات خارجية أو مصالح عابرة بل يتحقق عبر نصوص دستورية واضحةة تعترف بالشعب الكوردي وتاريخه الطويل ووتراثه المتجذر في أرضه وجغرافيته وتضمن الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة، وتحمي الحقوق السياسية والإدارية ضمن إطار قانوني ثابت يمنع تغييرها بتغيّر السلطات.
وفي نهاية هذه المقالة، يمكن القول إن القضية الكوردية ليست قضية منصب ولا مقعد ولا مرسوم، بل هي قضية وجود وحقوق تاريخية متجذّرة. وعندما تثبت هذه الحقوق في صلب الدستور ويتم حمايتها بالقانون والمؤسسات، فإن ذلك يفتح الباب أمام سلام حقيقي واستقرار دائم لا في سوريا وحدها، بل في عموم الشرق الأوسط. عندها فقط ستُكتب رسائل الأخوة في الوطن الواحد بصدق على أسس عادلة وثابتة.
الحقوقي رشيد عيسو
Rashid Isso




