
تباينت الردود بين مختلف شرائح المجتمع الكردي، بشقيه السياسي الرسمي والثقافي الإجتماعي، حول خطوة الحكومة السورية المؤقتة بإصدار المرسوم التشريعي رقم ١٣ لعام ٢٠٢٦ ، بين مؤيد لهذه الخطوة وبين مشكك فيه ، ولكل منهما حججه ومبراراته في الدفاع عن وجهة نظره .المتفائلون، ولهم كل الحق في تفاؤلهم ، إذ يعتبرون خطوة المرسوم سابقة سياسية في الاعتراف بالقومية الكردية منذ تأسيس الجمهورية السورية قبل أكثر من مئة عام، وهو أول وثيقة قانونية سياسية من أعلى المستويات السيادية للاعتراف بالتنوع الإثني لسوريا، وأن أول الغيث قطرة. وهذا يشكل بدوره الخطوة الأولى، والتي سيتلوها خطوات أخرى مستقبلاً في مسيرة الاعتراف بالقضية الكردية في سوريا. وعلى الجانب الآخر من الرأي هم المشككون، ولهم أيضا حجج ومخاوف كبيرة من المرسوم ، بعضها نابع من عدم الثقة المطلقة بالعقلية الستاتيكية والدوغمائية للجماعات الراديكالية التي استولت على الحكم في سوريا، وأن هذه الجماعات لا يؤمنون بالتنوع، ويعتبرون خطوة الاعتراف باللغة الكردية هي بداية لإنقسام الأمة، وهذا الاعتراف الشكلي الوارد بالمرسوم هو مجرد انحناء بسيط للريح الدولية العاتية المطالبة بحقوق الأقليات، ومن جهة أخرى لتخفيف حدة الاحتقان الكردي الذي قدم في سبيل هذه الحقوق أكثر من خمسة عشر ألف شهيد ،ناهيك عن أضعاف هذا العدد من الجرحى والمعاقين، وهذه المخاوف التي يبديها هؤلاء هي مخاوف جدية ، تشمل طيفا واسعاً من الأسباب والأدلة والبراهين، منها طريقة إصدار المرسوم، إذ لم تكن نتيجة مفاوضات جادة بين الطرف الكردي وهو الطرف المعني بمضمون المرسوم وبين الحكومة السورية. بل كانت نتيجة عقلية المنح والعطايا التي تهب بها السلطات الدكتاتوية لمواطنيها. وهذه العقلية (المنحية) إن صحت التسمية، لها مخاطرها على تكوين الثقة بين الكرد والسلطات السورية، كونها تدخل المرسوم في قائمة العقود الضيزية وعقود الإذعان، بحيث تختل التوازن فيها بين القوي والضعيف بشكل فاحش، بمعنى آخر ، أنا من أحدد جرعة الحقوق المناسبة لك، وما عليك إلا تناولها ، وهذه النظرة للسلطة، لها خطورتها المتجسدة في عدم الاعتراف السياسي بالحركة الكردية، ويمكن إدارج هذه الحلول المطروحة من السلطة في وصفها بالسلة الجاهزة الواحدة الغير قابلة للمناقشة أو الجدل ، وما على الطرف الآخر إلا قبولها بصالحها وطالحها.
هذا من الناحية السياسية أما من الناحية القانونية ، فهناك جملة من الملاحظات والمآخذ القانونية التي لا يمكن التغاضي عنها. منها ما ورد في متن اتفاق العاشر من آذار بين السيدين مظلوم عبدي وأحمد الشرع، الذي نص في بنوده بأن تُضمن الحقوق الكردية دستورياً. ومن المعروف في الفقه أن للقوانين درجات ورتب قانونية ، فالدستور لها رتبة أعلى من المراسيم والقوانين ، واتفاق العاشر من آزاد ذكر بوضوح أن الحقوق الكردية سوف تضمن دستوريا.
لكن الذي جرى، أن الرئيس منح هذه الحقوق بموجب مرسوم ، حيث كان من المفترض أن يتم إدارجه في مواد الدستور ، وهذا يعتبر خفضاً للرتبة القانونية المتفق عليها في اتفاق العاشر من آذار ، إذ أن إلغاء أو تعديل المراسيم التشريعية أسهل بكثير من الناحية القانونية من تعديل الدساتير وهذا ما يجعلها أكثر هشاشة أمام أي تغيير سياسي مستقبلي، كما ان الدساتير تتصف بصفة الثبات والقوة . وذلك بعكس المراسيم والتشريعات العادية. كما أن للدساتير قوة معنوية تدخل في (شهادة ولادة الدول) تتخطى الحكومات المتعاقبة. لتتغلغل بعيداً في روح الأمة وتشّكل طينتها الأولى.
ولكن الأنكى من ذلك، هو ما ورد في متن المرسوم المذكور، وخصوصا المادة الثالثة، إذ تنسف وتقوض بدرجة كبيرة كل مايفترض انه من مستلزمات الاعتراف باللغة. وهنا تظهر كما ذكرنا طبيعة (المنحة ) او (السلة الجاهزة) فاقعا جليا. فعبارة أن ( اللغة الكردية هي لغة وطنية) لها دلالاتها القانونية. فاللغة الوطنية، هي اللغة التي تعبر عن التراث الثقافي والهوية الثقافية والتراثية لشعب ما، وهي تشير إلى رمز ثقافي رمزي لا أكثر ، مما يستتبع بالضرورة تقليص تطبيقها على أرض الواقع . ففي مجال التعليم تظهر رمزيتها أكثر من فعلها. فيتم تدريس اللغة الوطنية في المدارس كمادة ثانوية هامشية لا تحظي بالإهتمام الكافي وسوف تخصص حصصاً دراسية أقل لتعلم هذه اللغة ، إذ أن اللغة الرسمية -وهي العربية -هي لغة جميع المواد. فبالنسبة للطالب سيكون دراسة اللغة الكردية بمثابة اللغة الإنكليزية أو الفرنسية في المدارس الرسمية السورية ليس إلا .
الجملة الأخرى التي ورد في متن المرسوم هو إحدى نتائج اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية ونزع الرسمية منه . وهو اعتبار اللغة الكردية ( كجزء من المناهج الاختيارية ) والتطبيق العملي لهذا المصطلح هو رسالة للكردي الذي سوف يدرس لغته، بأن دراستك للغة الكردية لا يفيدك، في بناء مستقبلك، وأمامك مواد اختيارية أخرى تفيدك، الأجدر بك عدم دراسة لغتك الكردية.
كما أن هناك مخاوف بالإيغال في تضييق الخناق على دارسي اللغة الكردية من خلال تقليص العدد الأسبوعي للساعات المخصصة لتدريس الكردية. أو عدم احتساب درجات اللغة الكردية في المجموع العام لدرجات الطالب ، كما كان في زمن البعث بالنسبة للتربية الدينية.
أما تطبيق هذا المرسوم في الإدارة ، تظهر تهميش اللغة الكردية أكثر تبايناً وبلورةً ، فاللغة الرسمية هي التي تطبق ، وهذا يؤدي إلى حتمية مفادها، أن المحاكم ومراسلات الادارة والشرطة في المناطق الكردية ستكون باللغة العربية . وهذه تعتبر خطوة في الإتجاه المعاكس وتنسف ما تطالب به الطبقة السياسية والثقافية الكردية.
وأخيراً يحق لنا التساؤل، هل يوازن المرسوم بين الطموح الكردي وبين مخاوف دمشق. أم أن الأمر يتعدى حدود الجغرافية السورية إلى عواصم اقليمية لها مصلحة في تقويض الطموح الكردي .
الحقوقي مصطفى مصطفى




