منذ 23 كانون الأول 2025، فرضت سلطة الأمر الواقع (الحكومة السورية المؤقتة) حصاراً خانقاً على الأحياء الكوردية في مدينة حلب، ولا سيما حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، تمثّل بقطع التيار الكهربائي بشكل كامل، ومنع إدخال الوقود، ما أدى إلى تدهور حاد في الأوضاع المعيشية للسكان. كما أُغلقت جميع الطرق المؤدية إلى هذه الأحياء، وفرضت إجراءات مشددة شملت تفتيش هواتف المدنيين، والسماح بإدخال كميات محدودة فقط من المواد الغذائية، إضافة إلى فرض إتاوات مالية لإدخال كميات أكبر من المواد الأساسية. وقد فاقمت هذه الممارسات معاناة السكان وقيّدت حياتهم اليومية، في ظل انعدام مقومات الحياة الأساسية.
الهجوم العسكري على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية
مساء يوم 6 كانون الثاني 2026، شُنّ أكبر هجوم عسكري على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، وهما منطقتان يقطنهما مئات الآلاف من المواطنين الكورد، إلى جانب مهجّرين كورد من منطقة عفرين. بدأ الهجوم بقصف عشوائي مكثف استهدف الأحياء السكنية والمدنيين، أعقبه هجوم بري باستخدام الدبابات والآليات العسكرية في محاولة لاقتحام الحيّين. وترافقت العمليات مع إخراج قسري للمدنيين من الأحياء المجاورة، بهدف نشر القناصين وتمركز الدبابات داخل المناطق السكنية، ما حوّلها إلى ساحات عسكرية مفتوحة.
استهداف المشافي والبنية الطبية
في المرحلة الأولى، تعرّض حيّ الأشرفية لقصف عنيف استهدف المباني السكنية والمشافي، وأسفر عن مقتل عدد كبير من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. وخلال ذلك، جرى اقتحام مشفى عثمان، حيث قُتل عدد من أفراد الطاقم الطبي، من بينهم صاحب المشفى. وفي 9 كانون الثاني 2026، شُنّ هجوم عنيف وكثيف على حيّ الشيخ مقصود، استُهدف فيه بشكل خاص مشفى خالد فجر، وهو المشفى الوحيد الذي كان يقدّم خدمات طبية لسكان الحي. وقد أدّى استهداف المشفى إلى منع وصول الجرحى والمصابين إليه، في ظل انعدام الدواء والماء والكهرباء والتدفئة. لاحقاً، تم اقتحام المشفى بالقوة، والاعتداء على من كانوا محاصرين داخله، حيث قُتل عدد منهم، واعتُقل آخرون، وتعرّضوا للتنكيل والمعاملة القاسية.
انتهاكات جسيمة وجرائم مروّعة
رافقت العمليات العسكرية انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تمثّلت في الإعدامات الميدانية بحق مدنيين معتقلين، والتمثيل بجثامين القتلى بطرق وحشية. ومن بين هذه الجرائم، إلقاء جثة مقاتلة كوردية من الطابق الثالث، مرفقاً ذلك بصيحات “الله أكبر” وعبارات مهينة وعنصرية من قبيل “خنزيرة”، مع توجيه الإهانات والشتائم، وسط هتافات دينية واعتبار هذا الفعل نصراً. كما انتشرت صور ومقاطع فيديو تُظهر قيام مسلحي سلطة الأمر الواقع المؤقتة برمي جثث مدنيين وعسكريين من أسطح الأبنية إلى صناديق سيارات “بيك آب”. وسُجّلت أيضاً حالات حرق جثث، واختطاف شبّان وتعريضهم لتعذيب وحشي، من بينها حالة موثقة لاختطاف شاب، جرى تعريته وقلع إحدى عينيه وفتح صدره وإخراج قلبه، وفق صور متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، في مشهد بالغ الوحشية يعيد إلى الأذهان الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، ولا سيما في مدينة كوباني. كما سُجّلت حالات قتل ممنهجة في الشيخ مقصود والأشرفية، وتداولت تسجيلات صوتية يُعتقد أنها أوامر ميدانية جاء فيها: “اقتلوهم ولكن لا تصوّروهم… ما بدنا نكحّل عين فيهم”.
تدهور شامل للبنية التحتية والوضع الإنساني
أسفرت الهجمات عن دمار واسع في البنية التحتية، خصوصاً في منطقة الشيخ مقصود الغربي، من معبر الجزيرة حتى مشفى خالد فجر. وشمل الدمار انهياراً وإصابات خطيرة في المباني السكنية، وانتشار الحطام في الشوارع، ووجود آليات عسكرية مدمّرة، إضافة إلى انقطاع كامل للكهرباء، وانعدام مياه الشرب، وفقدان المواد الغذائية الأساسية. كما فُقد الاتصال بالعديد من الأشخاص، وسط مخاوف حقيقية من أنهم قُتلوا خلال العمليات العسكرية أو ما تزال جثامينهم تحت الأنقاض. وأفادت مصادر خاصة بوجود سيارات محترقة وبداخلها جثث متفحمة.
الخطف والاعتقالات والخوف من التصفيات
يسود خوف شديد من عمليات انتقامية، حيث جرى اختطاف عدد كبير من الرجال والنساء، وفصلهم عن بعضهم البعض، ولا يزال مصيرهم مجهولاً. وتتركز المخاوف على تصفيات محتملة بحق فئة الشباب، بذريعة التعامل مع الإدارة الذاتية أو مؤسساتها. كما تعرّض المعتقلون لإهانات جماعية وشتائم طائفية وعنصرية، شملت إطلاق أوصاف مهينة بحقهم مثل “خنازير” و“كلاب” و“ملاحدة”، واتهامهم بالانتماء إلى “مشروع فيدرالية”، وذلك أثناء احتجازهم الجماعي.
النزوح القسري ومعاناة المهجّرين
تشير التقديرات إلى وصول ما يقارب 20 ألف نازح إلى منطقة عفرين، حيث تعرّض بعض الشبّان للاعتقال والخطف على الطرقات. كما جرى إذلال الوافدين عبر إيقافهم لساعات طويلة على مداخل عفرين في البرد القارس، والتدقيق في هوياتهم، وتوجيه الشتائم لهم. ويعاني النازحون من غياب أماكن إيواء مناسبة، وافتقارهم إلى أبسط الاحتياجات. كما أُجبرت العائلات التي وصلت إلى قراها على تسليم بطاقاتها الشخصية، وتسجيل أسمائها لدى المخاتير، ما أثار مخاوف جدية من الملاحقة الأمنية مستقبلاً، في ظل غياب أي ضمانات قانونية.
توثيق الضحايا والمناشدة الإنسانية
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا تتوفر إحصاءات دقيقة حول أعداد القتلى والجرحى والمعتقلين، في ظل استمرار القتل والانتهاكات، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة. الوضع الإنساني في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ويعاني الأهالي، ولا سيما الأطفال، من نقص حاد في الغذاء، وحليب الأطفال، والأدوية، والرعاية الصحية. وأمام هذه الكارثة الإنسانية، يناشد السكان جميع المنظمات الإنسانية والحقوقية، والمجتمع الدولي، التدخل العاجل لوقف المجزرة، وحماية المدنيين، وتقديم المساعدات الإنسانية الضرورية، وفتح تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات الجسيمة المرتكبة.
اتحاد المحامين الكورد بون – المانيا 11 كانون الثاني 2026
Weniger anzeig




