
منذ سيطرة القوات التركية والفصائل المسلحة التابعة لها على منطقة عفرين مطلع عام 2018، تشهد المنطقة انتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوق الإنسان، تجسدت في عمليات الاختطاف والتغييب القسري والتعذيب والابتزاز المالي، في ظل صمت وتواطؤ سلطة الأمر الواقع في دمشق، المتمثلة بهيئة تحرير الشام وفصائل الجيش الوطني التابع لتركيا.
تشير شهادات الضحايا ومصادر ميدانية إلى أن آلاف المدنيين — رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً ومرضى وبعض المعاقين عقلياً وجسدياً — اختُطفوا واحتُجزوا في معتقلات سرّية تديرها فصائل مختلفة، من بينها: أحرار الشرقية، الجبهة الشامية، فرقة السلطان مراد، العمشات، فرقة الحمزات، جيش الشرقية، فيلق الشام، ولواء الشمال.
وقد نُقل العديد منهم لاحقاً إلى سجن الراعي الخاضع اسميّاً لفصائل المعارضة الموالية لتركيا، بينما تُدار إدارته فعليّاً من قبل الاستخبارات التركية للتحايل والتنصل من المسؤولية القانونية. كما نُقل عدد كبير من المعتقلين إلى الأراضي التركية، وخصوصاً إلى سجن كلس.
أنماط الاعتقال والانتهاكات
تؤكد الشهادات أن كثيراً من المعتقلين لا يُفرج عنهم إلا بعد دفع فديات مالية باهظة، في حين يُقتل آخرون تحت التعذيب. كما تُسجَّل انتهاكات جسدية وجنسية خطيرة بحق النساء والرجال على حد سواء.
وقد وثّقت اللجنة حالات تعذيب باستخدام الصعق الكهربائي، وقلع الأظافر، وقطع الأطراف، والضرب بأدوات حادة، والإهانات الجنسية، والاعتداءات المتكررة داخل مراكز الاحتجاز، ولا سيما في سجون الحمزات والراعي، إضافةً إلى إجبار بعض المعتقلين على تناول حبوب مخدّرة مثل الكبتاغون.
شهادة الضحية (PN): رحلة التعذيب من عفرين إلى كلس ثم الراعي
يروي الضحية (PN)، وهو شاب من مواليد عفرين يبلغ من العمر 29 عاماً، أنه في 20 آذار 2018 عاد إلى مدينته عبر الطرق الزراعية بعد انتهاء الهجوم التركي، ليجد منزله منهوباً بالكامل حتى الأبواب الخشبية.
بعد يومين فقط، اقتحم منزله ستة عناصر من فصيل جيش الشرقية بقيادة المدعو أبو يزن، وهو قيادي سابق في مخابرات داعش، وتم اقتياده إلى مقر الفصيل حيث تعرّض لتعذيب شديد طوال الليل قبل نقله في اليوم التالي إلى فصيل لواء الشمال، الذي سلّمه بدوره إلى القوات التركية المتمركزة في مبنى السرايا بمدينة عفرين.
قضى الضحية ثلاثة أيام لدى الجنود الأتراك خضع خلالها لتعذيب مبرّح وإهانات مستمرة، قبل أن يُنقل في مدرعة عسكرية إلى الأراضي التركية، وتحديداً إلى سجن كلس، الذي وصفه بأنه “يوم القيامة بعينه”.
يقول:
“كانت الغرفة لا تتجاوز خمسة عشر متراً مربعاً، تضم مئة معتقل، بينهم أطفال ومسنّون من أبناء عفرين، بتهم ملفقة تتعلق بالخدمة الإلزامية أو بدعم الإدارة الذاتية السابقة.”
وقد أُفرج عن بعض المعتقلين لاحقاً مقابل فديات مالية تجاوزت عشرة آلاف دولار للفرد.
بعد أيام، نُقل (PN) إلى سجن الراعي داخل الأراضي السورية، حيث استمرت التحقيقات معه لمدة ثلاثة أشهر متواصلة بحضور محققين أتراك ومترجمين من فصيل السلطان مراد.
تعرّض خلالها لأبشع صنوف التعذيب، منها الضرب بالعصي الغليظة، الصعق الكهربائي، الغمر بالماء الموصل بالكهرباء، واقتلاع الأظافر، إضافة إلى التهديد بالقتل واغتصاب أفراد عائلته.
ويضيف الشاهد أن السجن كان يضم ما يقارب ألف معتقل كوردي من عفرين، بينهم قُصَّر لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً، وأشخاص يعانون اضطرابات عقلية، كما وُجد قسم مخصص لاحتجاز النساء يتعرّضن فيه للتعذيب بالصعق الكهربائي والاعتداءات الجنسية المتكررة.
ويقول:
“كنا نسمع صرخات الفتيات ليلاً، وكانوا يتعمّدون ذلك لإذلالنا وكسر إرادتنا.”
كما كان شاهداً على مقتل رجل كوردي مسنّ يُدعى عبد الرحمن (60 عاماً) تحت التعذيب في سجن الراعي عام 2020، مشيراً إلى أن هذا المشهد لا يزال يطارده نفسياً حتى اليوم.
بعد ثلاثة أشهر من الاحتجاز أُفرج عنه دون تفسير، لكنه اختُطف مجدداً على يد عناصر من فصيل فيلق الشام بتاريخ 17 حزيران 2018، بأمر من المدعو عصمت أبو عدي، أحد كبار قادة داعش سابقاً وقائد الشرطة العسكرية آنذاك.
احتُجز في منزل مجهول لمدة ثلاثة أشهر، وتعرّض خلال الأسابيع الأولى للضرب بالكابلات الكهربائية والأدوات الحادة.
وفي أحد الأيام، استغل انشغال العناصر باجتماع طارئ في بلدة أطمة، فقفز من سطح المنزل ليكتشف أنه محتجز في حي الأشرفية بعفرين. لجأ بعدها إلى أحد معارفه الذي ساعده على الفرار من المنطقة بمساعدة مهرّب خوفاً من إعادة اعتقاله.
يحتفظ الشاهد حتى اليوم بصور وأسماء عدد من عناصر فيلق الشام الذين شاركوا في خطفه وتعذيبه، وقد سلّم إفادته الموثقة إلى منظمات حقوقية دولية ومحكمة دولية قائمة.
شهادة الضحية (HH): الاعتقال في عنجارة والإصابة بسرطان الدم
تفيد إحدى الشهادات الموثقة بأن الضحية تم اعتقاله في بلدة عنجارة من قبل عناصر كتيبة نور الدين الزنكي لمدة 37 يوماً.
تعرّض خلالها لتعذيب قاسٍ ومتواصل أدى إلى تدهور حالته الصحية. وبعد الإفراج عنه إثر دفع فدية مالية كبيرة، وصل إلى مدينة حلب وبدأت تظهر عليه أعراض خطيرة.
أظهرت الفحوصات الطبية إصابته بـ ابيضاض الدم اللمفاوي الحاد (سرطان الدم)، وهو مرض خطير ينجم عن تحوّل خلايا الدم البيضاء في نخاع العظم إلى خلايا سرطانية غير ناضجة.
نُقل الضحية إلى دمشق لتلقي العلاج الكيميائي المكثّف لمدة تزيد على عام. وأفادت التقارير الطبية بأن الأعراض التي ظهرت عليه تشير إلى احتمال تعرضه لإشعاعات مؤيّنة أو مواد كيميائية سامة أثناء فترة احتجازه.
وتؤكد مصادر طبية أن هذا النوع من السرطان يرتبط عادةً بالتعرّض الطويل للإشعاعات أو للمواد الكيميائية العسكرية مثل البنزين وبعض المركّبات السامة. كما أن تكرار حالات الإصابة المشابهة بين عدد من المفرج عنهم من سجون عفرين يعزّز فرضية التعرّض لمواد إشعاعية أو كيميائية خلال الاعتقال.
تشير تقارير محلية كذلك إلى أن عدداً كبيراً من المفرج عنهم ظهرت عليهم بعد ثلاث إلى خمس سنوات من الإفراج أعراض أمراض مزمنة وخطيرة مثل السرطانات، التهاب الكبد الوبائي، وابيضاض الدم اللمفاوي الحاد، مما يثير شبهات قوية حول احتمال تعرضهم لمواد سامة أو إشعاعية أو لأطعمة ملوثة داخل المعتقلات تؤدي إلى الموت البطيء.
وتشير طبيعة الأعراض المسجّلة إلى أن ما يجري داخل هذه المعتقلات يتجاوز ممارسات التعذيب التقليدية ويفوق الانتهاكات التي كانت تحدث في سجون صيدنايا وتدمر في عهد النظام البائد.
قضية المعتقل محمد علي علي
وثّقت منصات إعلامية وحقوقية، من بينها منصة نسور القلعة والناشط الحقوقي إبراهيم شيخو، حالة مأساوية للمواطن الكوردي محمد علي علي، البالغ من العمر 42 عاماً من ناحية شيّه التابعة لمنطقة عفرين، وهو أب لثلاثة أطفال ويقيم في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب.
اختُطف الضحية في 1 كانون الأول 2024 على يد فصائل مسلحة تابعة للاحتلال التركي، من بينها ما يُعرف بـ“القوة المشتركة”، حيث نُقل أولاً إلى سجن إعزاز، ثم إلى سجن موراتية في عفرين، حيث بقي محتجزاً لمدة 42 يوماً وتعرّض خلالها لتعذيب وحشي ومنهجي.
أساليب التعذيب التي مورست بحقه:
– الضرب المبرّح والصعق الكهربائي والحرق المتعمّد.
– الحقن بمواد مجهولة المصدر.
– إجباره على تناول أطعمة ملوّثة بمياه الصرف الصحي.
– الجلد أكثر من 180 جلدة بالسوط.
– الوقوف على سطح معدني ساخن مما تسبب له بحروق من الدرجة الثالثة.
– قطع بعض أصابع قدميه بمنشار، وقلع أربعة من أسنانه، وشقّ شفتيه.
بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على الإفراج عنه، تدهورت حالته الصحية والنفسية بشكل حاد.
وبحسب زوجته فريدة عمر، فقد أصبح يعاني من فقدان الذاكرة والوعي، وعدم القدرة على الحركة أو الكلام، ولا يصدر عنه سوى أنين متقطع.
أما التقرير الطبي الصادر عن مشفى الشهيد خالد فجر في حي الشيخ مقصود – حلب، فقد أثبت وجود حروق من الدرجة الثالثة في الساقين، وقطع في الأصابع، وتلف دائم في الأعصاب الطرفية، وفقدان جزئي للذاكرة والوعي، مشيراً إلى أن الأعصاب في قدميه وُصفت بأنها “ميتة”.
كما أكد الأطباء إصابته بهزال شديد واضطرابات نفسية حادة ناجمة عن التعذيب النفسي والجسدي المفرط خلال فترة احتجازه.
شبكة السجون السرية وآليات التعذيب الممنهج
منذ سيطرة القوات التركية والفصائل التابعة لها على منطقة عفرين، تم إنشاء شبكة واسعة من السجون والمعتقلات السرّية تُدار من قبل الاستخبارات التركية (MIT) وبمشاركة فصائل ما يُعرف بـ“الجيش الوطني السوري”.
بدأ ذلك بتحويل مبنى السرايا الحكومية في مدينة عفرين إلى مركز اعتقال مؤقت عُرف باسم “سجن السرايا”، حيث تم تصفية عدد من السجناء ميدانياً بواسطة عناصر من الجيش التركي، وترك جثثهم بين المعتقلين الأحياء حتى بدأت تتحلل.
ثم نُقل عدد من السجناء إلى الأراضي التركية للتحقيق معهم في مراكز تابعة للاستخبارات التركية، قبل تحويل بعضهم إلى سجن الراعي في ريف حلب الشمالي، الذي يُوصف بأنه “سجن حتى الموت” بسبب تلوث المياه، وقلة الطعام، وغياب النظافة، وانتشار الحشرات والأمراض المعدية.
تمارس داخل هذه السجون أساليب تعذيب وحشية، من بينها الجلد بالكابلات الكهربائية، والطعن بشفرات الحلاقة، واستخدام المطارق والمفكات لشق الجلد والعظام، والغمر في براميل مياه موصولة بالكهرباء، وإذابة البلاستيك على الوجه والأعضاء الحساسة، وربط الأحجار بالأعضاء التناسلية وإجبار المعتقلين على الوقوف لساعات طويلة.
كما تم تحويل مركز الأمن الداخلي سابقاً إلى سجن الزيادية الذي يديره فصيل الحمزات، حيث يُحتجز النساء والفتيات ويتعرّضن للتعذيب والاغتصاب والحرق والإهانة الجسدية والنفسية.
وفي قرية موراتيه غربي عفرين بنحو خمسة كيلومترات، يوجد سجن آخر يديره عدد من الفصائل المسلحة ويُعرف بفظاعة ممارساته، حتى أنه فاق سجون النظام السوري السابق من حيث وحشية التعذيب، إذ وثقت حالات إجهاض متكررة وصور مسرّبة لنساء في أوضاع مهينة.
كما يُجبر السجناء الكورد، بمن فيهم المسيحيون والإيزيديون والعلويون، على أداء الصلاة والصيام ونطق الشهادتين تحت تهديد القتل أو الاغتصاب أو الحرمان من الطعام، ويُمنع المعتقلون من التحدث باللغة الكوردية رغم عدم إجادة كثيرين منهم لغات أخرى.
ومن بين السجون الموثقة:
– سجن راجو.
– سجن العمشات في ميدان إكبس، حيث تُنفذ عمليات إعدام ميدانية ليلاً.
– سجن الشرطة العسكرية بقيادة “أبو عبدو الحمصي” في شارع الفيلات بعفرين.
– سجون الباب، إعزاز، قطمة، كفرشيل، ومريمين.
– سجن المحمودية خلف مدرسة المحمودية.
– سجن دوار موراتيه بإدارة فصيل السلطان مراد والجبهة الشامية.
– سجن الأنشطة قرب مدرسة الاتحاد العربي بإدارة فصيل أحرار الشرقية الموالي لتنظيم داعش.
كل فصيل من فصائل “الجيش الوطني” أنشأ سجناً خاصاً به لغرض خطف المدنيين وابتزاز ذويهم مالياً، حيث يتم اقتسام المبالغ المدفوعة كفدية بين الفصائل والقوات التركية بنسبة ثلثين للأتراك وثلث للفصائل المحلية، في نظام يشبه شبكات المافيا والاتجار بالبشر.
شهادات إضافية
يقول أحد النشطاء الحقوقيين (FB):
“توجد في عفرين أربعة سجون رئيسية، وهناك سجن الراعي الذي يضم نحو 1200 معتقل كوردي، نُقل نحو 600 منهم إلى تركيا. تتحمّل العناصر السورية المسؤولية المباشرة، بينما تتنصل تركيا من المسؤولية القانونية. وهناك سجون أشد قسوة لم يُكشف عنها بعد، مثل سجن موراتيه الذي كان معصرة زيتون، وسجن ناحية راجو حيث حُوّلت معصرة إلى سجن أيضاً. أما التهم فتشمل التعامل مع الإدارة الذاتية أو وحدات حماية الشعب أو قوات سوريا الديمقراطية (قسد).”
وتقول إحدى الناجيات (LA):
“في السجون يتعرّض المعتقلون لكل أشكال التعذيب والجوع داخل الزنازين الانفرادية. لا تواصل مع العالم الخارجي، ولا يعلم المعتقلون شيئاً عن عائلاتهم لسنوات. كثيرون لا يعرفون سبب اعتقالهم، ولا تُجرى محاكمات. لقد قاموا بتعذيب والدي أمامي.”
“خلال ثلاث سنوات من الاعتقال، عندما كنت في الحادية والعشرين من عمري، مررت بأحد عشر سجناً: الباب، إعزاز، قطمة، حوار كلس، كفرشيل، جوقه، كوندي مازن، موراتيه وغيرها.”
دعوة إلى التحقيق والمساءلة
تدعو لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة في اتحاد المحامين الكورد كلًّا من لجنة التحقيق الدولية المستقلة، ومنظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى فتح تحقيق دولي عاجل ومستقل للكشف عن طبيعة المواد والأساليب المستخدمة في هذه المعتقلات، وتحديد المسؤولين عنها، وتقديم الرعاية الطبية والنفسية العاجلة للضحايا، وضمان محاسبة المتورطين وفق أحكام القانون الدولي الإنساني.
كما تؤكد اللجنة استعدادها لتقديم الشهادات الموثقة وأسماء الضحايا الراغبين في الإدلاء بإفاداتهم، داعيةً جميع الناجين إلى توثيق ما تعرّضوا له بدقة وعدم الصمت خوفاً من الانتقام أو فقدان الأمل، لأن توثيق الجرائم هو الخطوة الأولى نحو العدالة والمساءلة.
وتشدّد اللجنة على أن الأمل والعمل المتواصلين هما السبيل لكسر دائرة الإفلات من العقاب وضمان إيصال صوت المعتقلين ومعاناتهم إلى المجتمع الدولي.
للتواصل مع اتحاد المحامين الكورد:
• واتساب مخصص للتواصل: 0046 72 555 6665
• البريد الإلكتروني: info@kurdishlawyers.org
منصة التبليغ الإلكترونية “بلّغ”: forms.office.com/r/Xb17LgF6yF
الموقع الرسمي: ar.kurdishlawyers.org
لجنة الرصد والتوثيق والأرشفة
اتحاد المحامين الكورد – بون، ألمانيا
31 تشرين الثاني 2025




